إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، يوليو 08، 2013

tattoo













 

من "موباسان" إلى "سيد قطب" ... تأصيل الصراع بين الشرق والغرب من خلال الأساطير الحسيّة


الخيال الجامح والجامع لكتاب "ألف ليلة وليلة"، والذي تداخلت في تأليفه حضارات مختلفة كالهند وبلاد فارس ومصر والعراق، حضارات طالها المد الإسلامي في غزواته وفتوحاته، ليخرج بلسان عربي مبين، ويؤسطر لخيال متحرر من رمال الصحراء، محاولاً صياغة هذه الحياة في مفردات متزنة، ما بين عالم الإنس والجن، وحتى الجمادات. هذا الكتاب الذي سَحَر الغرب عند ترجمته إلى اللغات الأوروبية، حقق دون أن يدري مفاهيم لم تتزحزح لوقتٍ طويل عن الشرق، وخاصة عالم النساء الشرقيات، هذا العالم الغامض، الخفي، لحور مقصورات، حاول بعضهن الانتقام من سلطة الرجل الوهمية، عبر حيلة أجسادهن. ولكن المخيلة الشرقية مؤخراً أصبحت تتنفس المنظور نفسه حيال الغرب، لتجسد انتقامها في تصوير الغرب كساحة للانحلال الجنسي، الذي أكدت الأعمال الفكرية والمؤلفات الأدبية على هذا المفهوم، دون أن تستطيع الخروج منه حتى الآن!

 


الصراع فوق خرائط أجسادهن

لا يوجد رحالة أو مستشرق أو أديب، أوحتى زائر غربي جاء إلى إلشرق وكتب انطباعاته أو رؤاه إلا وتعرض للمرأة، خاصة في الجانب الحسي منها. (موباسان الذي رأى الشرق خلال وجوده بالجزائر عبارة عن مرتع للرغبات والحواس). إضافة إلى رسومات فناني الاستشراق، الذين صوروا المرأة الشرقية من خلال ما يحيطها من أساطير، وفي محاولة لفض غموض وحدتها المزعومة. وكذلك فعل الشرقي حين عرف سبيله إلى الغرب، كرد فعل على عقلية طالما أهانته، فتجسد ثأره وفق مخيلة ذكورية موروثة ــ وهمية في الغالب ــ لتصبح عبارة عن مغامرة حسيّة يخرج منها منتصراً على الدوام. (راجع رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، كمثال لافت على هذه الحالة المزمنة). لذا نجد أن الجنس قد لعب دوراً سياسياً بارزاً في صياغة العلاقة بين الطرفين، حيث قدمت نمطية الخيال والأساطير عن شبقية الشرق في تاريخ وأدبيات الغرب دعماً ومساندة كبيرة للحكام ليقوموا بحربهم ضد الشرق بداية من الحملات الصليبية وانتهاء بالاحتلالات الحديثة والاستيلاء على ثرواته، بل وانتهاء بالاحتلال الأميركي للعراق، وفضيحة أحداث سجن أبو غريب. لنجد على الناحية الأخرى رؤية مؤسس جماعة الإخوان المسلمين "حسن البنا" الذي اتهم الغرب بإفساد المجتمع المسلم، لأنهم .."يرسلون إلينا نساءهم أنصاف عرايا"، وصولاً إلى تلميذه "سيد قطب" الذي انتقد الكنيسة الأميركية التي أخلت السبيل للانحلال الأخلاقي.


الاستشراق الجديد

طوّر الغرب من رؤيته وأسلحته، فانتقل من الاستشراق الكلاسيكي إلى الاستشراق الجديد، من خلال كتابات كل من "برنار لويس" و" وصامويل هتنجتون"، فالأول عمل على أسلمة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والأخير خلق الفضاء المناسب لكيفية قراءة هذه الأحداث. ورغم سياسية التنظيرات والنتائج، إلا أنها واكبت رؤية اجتماعية، تلاقت والهدف نفسه، ذلك خلال تغير نظرة الرجل الغربي للمرأة الشرقية، من مجرد جسد ومحل رغبة، إلى كائن إنساني يسعى لتحقيق حريته والانفلات من قبضة القيود والأعراف الاجتماعية. هذه النظرة محل نقد في مدى جديتها، لتصبح وسيلة أخرى أكثر تحضراً من رؤية الاستشراق الكلاسيكي، كحال كل من .. موباسان/ أندريه جيد/جوته/فلوبير/لامارتين، وفيكتور هوجو، الذين شغلتهم المرأة الشرقية والأوصاف الحسية والمغامرات الجنسية، والكيفية التي استثمروا بها هذه الأفكار وزجوا بها داخل الوعي الغربي "تلك الأفكار التي أضحت جزءاً من النظرة الأوروبية الشاملة حول آسيا وأفريقيا، والتي لعب الجنس دوراً فاعلاً فيها. (راجع التصورات الجنسية عن الشرق الأوسط ..البريطانيون والفرنسيون والعرب، للمؤرخ البريطاني ديريك هوبود).

 

فوبيا الحجاب

كانت أوروبا وما زالت بوجه خاص تعاني مما يسمى بـ "فوبيا الحجاب"، ولعل أحكام المحاكم الأوروبية المتواترة والمتفاوتة في هذه المسألة خير دليل على إشكالية هذه القضية المزمنة. وقد انتقل الحجاب من مجرد قطعة من القماش تغطي الرأس، إلى الفضاء السيموطيقي (علم العلامات)، ليصبح رمزاً يدل على حضور الشرق الطاغي داخل الثقافة والحضارة الأوروبية، وبالتالي الممارسات المرتبطة به، كتأكيد لهوية غير مرغوبة هناك من ناحية، وإلى التمييز بين سلطة ذكورية فاعلة وبين خضوع أنثوي سلبي من ناحية أخرى، وأخيراً كشعار يدل على الفصل بين فضاء الحداثة وبين تقاليد متخلفة. وتؤكد شخصية مثل "أيان هيرسي علي" النائبة الهولندية السابقة ذات الأصول الصومالية، اثنتين من الحجج الرئيسية لحركة الاستشراق الجديد ... الأولى هي وجود تعارض بين فضاء غربي، تحرري وبين فضاء إسلامي غير صالح ثقافيًّا أمام التحديث، والثانية في تقديم الحل للعالم الإسلامي إذا كان يريد الخروج من عصوره الغابرة فيحدث قطيعة مع "الإسلام". هذه الرؤية التي ترتكز على استخدام صورة المرأة لم تعد ذات طبيعة استعمارية فحسب، لكنها يمكن أن تستخدم أيضاً كتبرير دقيق لروايات صراعية في داخل الدول ومن خارجها، كما تبيّن أن إدانة وضعية المرأة والواجب المعنوي في تصحيح هذا الظلم الواقع عليها هي مكونات هامشية، من ضمن أخرى، جرى إعادة استخدامها من قبل إدارة جورج بوش الابن (2001-2009)، بهدف أن تضيف إلى الاستجابة العسكرية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، بعداً ذا طبيعة حضارية. (راجع تيار الاستشراق الجديد والإسلام لأوليفييه مووس).

 
المرأة الشرقية بين البارانويا والفصام

في كتابها "النسا والإسلام والغرب" تنظر الناشطة المغربية "أسماء لمرابط" إلى الموضوع من وجهة أخرى، وإن كانت تؤصل لموضوعنا، فترى أن الغرب مصاب بعقدة البارانويا (جنون العظمة) في حين أن العالم الإسلامي مصاب بانفصام الشخصية، فالجنون الغربي يتعامل بانتقائية مع قضايا المرأة المسلمة، وتختفي من لغته مفردة النسبية الثقافية، التي يوفرها لنساء أخريات، بينما العالم الإسلامي يعاني من سيطرة العقلية الذكورية على الدين والتاريخ والسياسة والعلم. لذا تدعو المفارقة التي تتبناها المؤلفة إلى الدهشة، لتدل على يأسها من تحقق المرأة داخل العالم الإسلامي، والعمل على تصحيح النظرة وأخذ الحقوق من خلال مفردات العالم الغربي، وذلك عن طريق حركة نسائية إسلامية من قلب الحداثة الأوروبية، لما تتيحة من فرص داخل إطار الحرية الغربية!

 
أرض شاسعة للصراع
سيظل جسد المرأة أرضاً للصراع، وفق مخيلة العقلية الشرقية، وسيستغله الغرب في أطروحاته المتجددة دوماً لإشعاله، طالما النهج الذكوري الشرقي والعربي على وجه الخصوص لم يزل لا يرى في المرأة سوى جسد، لا يبارح غوايته في مخيلته المُظلمة، ويسعى جاهداً لستره طوال يومه، بديلاً عن قمع وبؤس يتنفسه، وصولاً إلى سُلطة موهومة سقطت منذ زمن تحت أقدام امرأة تدعى "شهرزاد".