إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، نوفمبر 07، 2017

الواقع الفيلمي وجمالياته ... بين أعمال "فيرتوف" وتنظير "بازان"


لكل من المخرج الروسي "دزيغا فيرتوف Dziga Vertov" والناقد والمُنظّر الفرنسي "أندريه بازان André Bazin" أفكارهما التنظيرية عن السينما والتفكير الجمالي للفن ووظيفته من خلالها، وإذا كان بازان وجدت بعض أفكاره حيز تنفيذها من خلال أفلام الموجه الجديدة، التي كانت انعكاساً مباشراً لكتاباته في كراسات السينما، نجد أن فيرتوف قام بتطبيق نظرياته الجمالية بنفسه، في عدة أعمال أشهرها فيلم "الرجل والكاميرا". وكل منهما نادى بواقعية السينما ودورها، وانتقد تزييف الواقع في الأعمال السينمائية الأخرى، على مستوى الفكر والتقنية، وبالأخص الوسائل التقنية التي تجعل من الفيلم جديراً بأن يعبّر عن الواقع، في شكل حاد يصل إلى حد التطرف.

تنظيم فوضى الواقع

بداية يرى فيرتوف أن الوثائقي هو الوسيلة الإعلامية للثورة، وأن التوثيق لابد وأن يحل محل التمثيل، ولذلك على الفيلم الروائي أن يندثر، فالوثائقي يسجل الحياة كما هي عن طريق الكاميرا، أو الآلة التي تظهر العالم كما هو. ذلك انطلاقاً من قدرة الوثائقي ــ حسب رأيه ــ أن يكون عيناً على المجتمع بطريقة تتجاوز قدرة الإنسان على الملاحظة، وهنا تغيب تقاليد الفيلم الوثائقي التقليدي فلا راو يخبر بحدث، ولا خبراء يمثلون المرجعية الموثوق بها، وموسيقى الفيلم لا تستخدم للإيعاز بمشاعر مرتبطة بالقصة أو الحكاية. وعلى الرغم من أن "فيرتوف" أكد تأكيداً قاطعاً على الإعجاز العلمي لعين الكاميرا وقدرتها على إخبار الحقيقة على نحو يتجاوز الأبعاد البشرية، إلا أنه حذا حذو "فلاهيرتي" و"جريسون"، حين ذهب إلى أن الراوي البشري كان له أهمية بالغة. ومثل العين البريئة للفنان التي نادى بها "فلاهيرتي"، وادعاء "جريرسون" بأن الفيلم الوثائقي معالجة خلاقة للواقع، كان قول "فيرتوف" بحق المونتير في تنظيم فوضى الحياة الواقعية، وكان هذا تصريح لصانع الفيلم بأن يفعل كل ما يحلو له. 


فيرتوف
التحايل على ما يُسمى بالواقع

لقد اطلقوا جميعا ادعاءات مُتطرّفة لقيمة الحقيقة في أعمالهم، وفي نفس الوقت صوّروا صانع هذا العرض الصادق فناناً يحتاج إلى الحرية كي يبدع. فيرتوف الذي انطلق من قناعات تدافع عن الثورة الروسية، وصولاً إلى التحايل على الواقع من أجل قناعات معينة، هذا ما توضحه أكثر الفقرة التالية "لم يكن يطمح إلى (عرض المعلومات بدون تحيز)، بل على العكس من هذا تماماً، كان يعمل على (التأثير على العقل ودفعه إلى إتجاه معين)، ولم تكن هذه البدعة من بنات أفكار Vertov، بل كانت شيئاً مُعتاداً من قِبل الصحافة السوفيتية، استمد منها الأسلوب والتوجه في عرض المعلومات، ودعم وجهة النظر الخاصة به، والتواصل مع الجمهور، فخلال تلك الفترة ــ العشرينيات ــ كانت أفلام Vertov امتداداً لنموذج الصحف الشيوعية.  (راجع ..  Hicks, Jeremy. Dziga Vertov.Defining (Documentary.I.B.Tauris&Coltd.UK, P.8. هذه أحد الآراء في أعمال فيرتوف، لكن لا يمكن الأخذ بها على إطلاقها، لأن الرجل كان ينطلق من منطلقات ثورية بالأساس وليست دعائية، فقد كان يصدّق ما يفعله، ويُحرّض على فعله، مثله في ذلك مثل "ماياكوفسكي Mayakovsky"* الذي ارتبط به وبفكره فيرتوف إلى حدٍ كبير.
ويوضح "فيرتوف" الأمر أكثر من خلال مقالاته التنظيرية ويومياته العملية في صناعة الأفلام، خاصة وهو يتحدث عن المونتاج، إذ يقول "نفهم المونتاج على نحو مختلف، فهو تنظيم العالم المرئي". فالمونتاج وفق فيرتوف ما هو إلا كتابة من خلال الكادرات السينمائية، وهو كما يُطلق عليه فيرتوف نفسه "نوع أعلى من تنظيم المادة السينمائية الوثائقية". (راجع ..  دزيجا فيرتوف. الحقيقة السينمائية والعين السينمائية، ترجمة: عدنان مدانات. بيروت 1975، منشورات مجلة الهدف. ص 355). هذه الوسيلة التقنية هي أسلوب تفكير بالأساس في اللقطة ومفرداتها ومكوناتها ووظيفتها قبل كل شيء، لم يكن هناك مجالاً لشيء من التسلية أو المجانية، فالأمر أشبه ــ كما نستشف من كتابات فيرتوف ــ بعمل صارم، له قوانينه وآلياته التي لم يحد عنها في أعماله قدر المُستطاع، لذا انصب اهتمامه على "ترتيب اللقطات وتنظيمها نظرياً، مما أوصله لأن يجعل الأشياء تقول كل ما كان يفكر في النطق به". (راجع .. جان ميتري. علم نفس وعلم جمال السينما. ترجمة: عبد الله عويشق، دمشق 2000، منشوات وزارة الثقافة السورية، سلسلة الفن السابع، عدد (32). ص 708).

الصورة السينمائية وأصولها الفوتوغرافية

أما "بازان" الذي ينطلق من الطبيعة الفوتوغرافية للصورة السينمائية، فيرى الواقعية تتمثل في اللقطة الطويلة وعمق المجال، لتحقيق درجة أعلى من الواقعية، وهو أمر أشبه بالمَسرَحة (الميزانسين)، بخلاف مونتاج إيزنشتين، الذي من وجهة نظر بازان يتلاعب بالمشاهدين ويقضي على حريتهم في الاختيار بجعلهم لا يشاهدون سوى ما يريده المخرج. من ناحية أخرى يؤكد بازان على الأساس الفوتوغرافي للفيلم السينمائي، فالمعنى يكمن في اللقطة المنفردة، وليس المونتاج رغم أهميته هو أداة التعبير الأولى، فالأسلوب السينمائي الهادف هو الذي يوظف اللقطة الطويلة وعمق المجال، فالحدث الكامل الذي توفره اللقطة الطويلة، يضاهي الواقع، من حيث المكان وزمنية وقوع الحدث، ويستشهد بازان بـ "المواطن كين Citizen Kane 1941" لـ Orson Welles . ويُلاحظ .. اتفاق كل من دزيجا فيرتوف وأندريه بازان على رفض أسلوب إيزنشتين، الذي يفصل تماماً بين الصورة السينمائية والواقع، فاللقطة المفردة ليست بذات معنى، إلا إذا وضعت في سياق بنائي مُحكم لإنتاج دلالة جمالية وفنية. وهو بذلك يميز تمييزاً حاداً بين الفيلم والصورة الفوتوغرافية.

بازان

المونتاج وتأثيره على وعي المُشاهد

أما أسلوب المونتاج فيحد من قدرات المشاهد على الخيال، ويفرض عليه رؤية صانع الفيلم، وبالتالي تنتفي الموضوعية والواقعية بحسب رأي بازان. إلا أن مفهوم الواقعي الذي استشهد به بازان، والكامن في اللقطة الطويلة التي استخدمها فلاهيرتي كتكنيك إخراجي، لم يكن في الحقيقة يعبر عن الواقع بأية حال. إضافة إلى أن ما يظهر على الشاشة ليس عالم الواقع، بل رؤية للعالم، وهي الرؤية الذاتية للمخرج، وحريتنا تظل باقية في مواجهة هذا الواقع الثاني، فأحكامنا لم تعد واقعية بل تقيمية لتجربة جمالية.

جماليات الفن السينمائي

والمفارقة الجمالية التي يتحدث عنها بازان تكمن في الأسلوب الواقعي في الفن، لذلك يرى بازان أن الفيلم الفني ينبغي أن يكون مقارباً للواقع، دون أن يطابقه، وإلا انتفت عنه صفة الفن. ولكن الفيلم في أكثر حالاته اقتراباً من الواقع فهو لا يصوره، وإنما يقترب منه على أكثر تقدير. إن اعتبار الشخصيات والأحداث والمواقف في فيلم ما واقعية أو غير واقعية لا يعتمد على توقعاتنا المُطلقة حول العالم خارج الفيلم، أي خبراتنا بالعالم، وإنما على التوقعات التي يفرضها الفيلم ذاته. كما أن قابلية تصديق الشخصية يُحكم عليها من خلال علاقاتها داخل الفيلم، "ولهذا لا تحتاج تصرفاتها إلى اعتبارها غير واقعية في ضوء حكم الواقع، بل اعتبارها واقعية فقط في ضوء المعتقدات والتوقعات المتولدة من داخل العمل الفني (الفيلم). وحتى تكون الشخصية أو الشيء أو الفعل أو الحدث غير واقعية داخل عالم الفيلم، يجب أن تكون مجافية لطبيعتها التي تأسست من قبل خلال الفيلم". (راجع .. آلان كاسبيار. التذوق السينمائي. ترجمة: وداد عبد الله، القاهرة 1989، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة الألف كتاب الثاني، عدد (74)، ص 101 ــ ص 122). فمهما بلغت اللقطات من الطول والعمق فهي ستظل محدودة وحكمها في ذلك حكم اللقطات القصيرة قليلة العمق.

الأسلوب الفيلمي وتهافت التنظير

كما أن هذه الأحداث نفسها سواء كانت معاشة أم خيالية، تتألف دائماً من علاقات بين وقائع، وأقل ما يطرأ عليها بفعل فاعل، من شأنه أن يزيف أصليتها وحقيقتها. وحتى الصورة الفوتوغرافية لم تسلم من هذا التزييف "لم يعد الفوتوغرافي في النهاية أكثر مناعة من فن الرسم ضد الشكوك الحديثة حول أي علاقة واضحة المعالم مع الواقع، فالواقع يحتاج إلى عين كاميرا انتقائية وأكثر دقة، لأنه ببساطة ما ظهر من الواقع هو أكثر من ذي قبل". (راجع .. سوزان سونتاج. حول الفوتوغراف. ترجمة: عباس المفرجي. بيروت 2013، دار المدى. ص 141). إن ما يقدمه بازان كاتجاهين منفصلين ومتعارضين جذرياً في بناء الفيلم ليسا في الحقيقة سوى دافعين متضادين ومتعارضين لآلية واحدة، لا يعملان إلا عبر صراعهما، ويحتاج أحدهما للآخر، وتاريخ السينما هو طوراً نحو البناء وآخر نحو تصوير الواقع. فالسينما المعاصرة ليست امتداداً آلياً لأحد الاتجاهين، بل نتاج تركيبهما المعقد. فالأسلوب المزدوج والتقابل ما بين المونتاج واستخدام اللقطة الطويلة هو انقسام خاطئ، فرغم عدم وجود قطع بالمعنى الحرفي، فهناك الكثير من حركة الكاميرا التي تحقق التأثيرات المماثلة للقطع، فالحركة هنا انتقائية إلى حد كبير، وتوجه انتباه المتفرج إلى تفاصيل خاصة بالميزانسين أو اللقطات القريبة لوجوه الشخصيات، بطريقة تحقق التأثير الناتج عن المونتاج.

*نشر بالقدس العربي اللندنية في 29 يناير 2017

"حجر الصبر" ... حكايات امرأة تُصعدها معراج النبوّة





"حجر الصبر" رواية للأفغاني "عتيق رحيمي" تحولت إلى فيلم سينمائي بالاسم نفسه، قام بإخراجه عتيق رحيمي، وشاركه في كتابة السيناريو الفرنسي "جان كلود كاريير". صدرت الرواية بالفرنسية عام 2008، ونالت جائزة "الجونكور" أرفع الجوائز الأدبية الفرنسية في العام نفسه. وقد تم تصوير الفيلم في المغرب، عدا بعض اللقطات التي تم تصويرها في كابول.

أسطورة أفغانية

يأتي عنوان الفيلم من أسطورة أفغانية تحكي عن حجر الصبر، وهو الحجر الذي يلجأ إليه الإنسان ليبثه شكواه وأسراره، التي حتى يخشى البوح بها بينه وبين نفسه، وعندما ينتهي يتفتت الحجر تحت وطأة الحكايات/الأسرار، ليتحرر بعدها الإنسان مما كان يقيده، ويشعر أخيراً بآدميته. من هذه الأسطورة نسج رحيمي أحداث روايته/فيلمه، وجعل من امرأة شابة لم يطلق عليه اسم، لتصبح رمزاً للكثيرات في مثل هذه البقعة الملعونة من الأرض (أفغانستان)، أو التي تنتمي إلى الشرق عموماً. هذه المرأة التي تبدأ في سرد حياتها بكل تفاصيلها المؤلمة ... ما كانت تعيشه وما تحلم به، وردود أفعالها التي لم تخرج قط عن حكايات حبيسة مثل روحها.

مجتمع البائسات

في بيت شِبه مُهدّم من جرّاء القصف والمجاهدين تحت راية الله وشعاراته، تعيش امرأة شابه بين طفلتيها الصغيرتين، وزوجها المُسجى أمامها شِبه الميت، نتيجة رصاصة استقرت في رقبته، لم يزل يتنفس، ولا حياة له سوى في أنبوب الجلوكوز، الذي تستبدله المرأة بين الحين والآخر. فرّت أسرة الرجل/أمه وأخوته، وتركوه للزوجة الشابه، وهم يعلمون أن البيت أصبح في مرمى القصف، وعاجلاً سوف يتحول إلى مقبرة للجميع. لتعترف لزوجها بأنه لو كان ميت بالفعل، لكانوا أخذوها معهم، لتصبح زوجة أحد أخوته، وتتمادى لتحكي عن سلوك أخوته طوال غيابه، فكلهم اشتهوا جسدها، ولطالما تلصصوا عليها عارية. تفر المرأة بطفلتيها للبحث عن عمتها، فقد نفدت نقودها، ولا تستطيع شراء علاج أو طعام أو حتى ماء، وتجدها أخيراً في المدينة، لتقترض منها بعض النقود، وتترك الطفلتين، وتعود لتجاور جثة الزوج الحي، وتبدأ في حكاياتها التي لم تحكها أبداً، فهو البطل في نظر قبيلته وأسرته، والذي كان في خطبتها مجرد صورة في إطار موضوعة بجانبها، لأنه بعيداً في ساحات القتال في سبيل الله. هذه الصورة الموضوعه الان فوق رف وحيد بالحجرة بجوار نسخة من القرآن الكريم.
تبدأ المرأة حكاياتها منذ طفولتها في ظِل أب قاس، لا يهتم سوى بطيوره التي يربيها ويهدهدها ليستخدمها في المراهنة، وعندما يخسر كما في أغلب الأوقات، يحمّل بناته وزوجته تبعة ذلك، فيُعنفهن ويضربهن، حتى أنه يبيع ابنته الطفلة لرجل في الأبعين، ليُعوض ما خسره في رهاناته المزمنة. لتنتقم منه طفلته الأخرى/بطلة الحكاية الآن، وتقدم أحد طيوره الأثيرة طعاماً لقط شرس، وحتى تبعد الشبهة عن نفسها، تجعل القط يقوم بخربشتها، تاركاً علامة في وجهها لن تمحى، وهنا يتوقف سرد الحكاية لتلتفت إلى زوجها المسجى أمامها ناقمة من عدم سؤاله لها عن هذا الجرح القديم. الرجل لم يتعرّفها، حتى الجسد الذي كان يستعمله وفق حقه كزوج، لم يستطع التعرّف إليه، وحفظ خارطته، لتقول عبارتها الانتقامية الأخرى بأن "الذين يُماسون القتال لا يعرفون ممارسة الحب". كل هذا تحوطه خلفية صوتية من طلقات الرصاص ودانات المدافع، وتهليل من فوق منابر المساجد بالمجيء إلى المسجد لأخذ الأسلحة للدفاع عن النفس، و(مُلّا) يدخل البيوت الخربة ليبتهل للزوج المريض، أو يقوم بطقوس دفن البعض في حديقة ما كان بيتاً.




شهرزاد

الحكايات هنا أشبه بحكايات شهرزاد الشهيرة، إلا أن الفارق الذي اكتشفه عتيق رحيمي بأن المرأة تحكي حتى تعيد الحياة إلى الجسد المُسجى أمامها، لا حتى تكتسب يوماً آخر من الحياة كما في شهرزاد ألف ليلة. فما بين التحرر من سجن الروح بالنسبة للمرأة، يساوي رد الحياة لجسد الزوج، والأمل في أن يتحرك مرّة أخرى. فالمرأة على يقين تام بأن  زوجها يستمع لحكاياتها. الأمر الآخر في هذا المجتمع الذكوري الفج يبدو في امتلاك النساء لمهمة الحكي والتفسير، خاصة وأن الذكور رغم مظهرهم الخشن، هم أكثر هشاشة وضآلة من النساء، الأكثر قوة وقدرة وفهماً للحياة. فالرجل أخيراً أصبح تحت سُلطة زوجته، وكما تقول "أستطيع الآن أن أفعل بك ما أشاء". صوت المرأة المتصدر ناصية الحكي، يُقابله صوت (عمتها) التي تفسر الأحداث، وتسقط عليها حكمتها. هذه المرأة التي فرّت من أسرة زوجها في السابق، وأوهمت الجميع أنها انتحرت، خاصة بعدما اكتشف زوجها أنها عقيم، وتزوج بأخرى، وأرسلها لخدمة والديه، فما كان من والد زوجها إلا محاولة مضاجعتها، حتى انها قتلته في النهاية وفرّت. لتعيش في شمال المدينة، بعيداً عن أصوات المدافع، وتصبح صاحبة بيت للهوى، يتحكم نساؤه بأجساد الرجال ورغباتهم وفق هواهن. العمة هي التي أوضحت للمرأة أسطورة (حجر الصبر) وأوحت لها أن تجعل من زوجها حجر صبرها، وأن تعترف وتحكي كل ما يجول بخاطرها، عقاباً له على عدم معرفتها، وانشغاله الدائم ككل الرجال ببطولاته الوهمية، دون أن يستطيع حتى التعرّف إلى جسد زوجته، وما تريده في علاقتهما الحميمة. هذا الصوت يتردد لحظات أخرى عن طريق جارتها، عندما اكتشفت مقتل الجنود في إحدى الغارات لزوجها وابنها وابنتها، ليبدو عقلها الذي اختل، لتحكي عن (الملك) الذي قابلها، وغازلها ببعض الكلمات، وكانها عادت شابه، ثم تعود إلى واقعها على مشهد جثث أسرتها، وتواصل العويل.

مجتمع الرجال المذعورين

يتقدم بعض المجاهدين من المنزل، فتخبئ الزوجة زوجها خلف إحدى الستائر، وتجلس بجواره، ويسألها كبيرهم عن وحدتها بهذا المكان وماذا تفعل، فترد بأنها "تعمل من بيع جسدها" يُعنفها، ويرجو رجمها لأنها مسلمة، ثم يتركها ويمضي، تاركاً أحد تابعيه من مراقبة المكان. تطلب الزوجة من زوجها المستور عن الأعين أن يُسامحها لقولها ذلك. فالمحاربون لا يقربون امرأة يُضاجعها الجميع، بل يفضلون النساء العاديات، لشعورهم بأنهن مغنم حرب، إضافة إلى تفضيل العذراوات، لأن مسألة فضهن ترضي غرور المقاتلين. يأتي المقاتل الشاب ويُلقي بجسده المضطرب فوق المرأة، في خوف وذعر وسرعة، ثم يُلقي لها بالنقود ويمضي. لقد أخطات في حساباتها، وها هي الآن أصبحت كما قالت فتاة هوى، لا تختلف عن فتيات الهوى في بيت عمتها. لتحكي لزوجها عن ليلتها الأولى معه، فهو لم يختلف عن هذا الشاب، خائف ومتوتر، رغم مدفعه الآلي الذي لا يُفارقه، وتاريخة المجيد في إراقة دماء أعداء الله. تتواتر علاقتها من الشاب، دائم التلعثم في الكلام، ليأتي إليها لتكشف عن تعذيب قائده له، حيث يقوم بإطفاء السجائر بجسده، وقد اختطفه من قارعة الطريق، يتيماً بلا مأوى، ليقوم بتعذيبه في تلذذ بعد ذلك. لتعقد مقارنة بين زوجها وبين هذا القائد، فهل فعل بأحد جنوده، كما هذا الشاب؟

تفتت حجر الصبر

تستمر المرأة في حكاياتها .. خوفها من أم زوجها لأن أمارات الحمل لم تظهر حتى الآن، خوفها من هجران زوجها لها، والعودة إلى بيت أبيها، كل هذا ما جعلها تأخذ بنصيحة عمتها، بأن عليها الإنجاب في أسرع وقت، حتى لا تخسر حياتها الموعودة، فتأتي لها العمة برجل معصوب العينين في حجرة مظلمة، ليهبها طفل، مرّة وأخرى، حتى أصبح لديها طفلتان، فالزوج هو الذي يُعاني من العقم. عند هذه الحكاية يفتح الزوج عينيه، ويُمسك بقوة بيد زوجته، بينما يده الأخرى تمسك برقبتها، وهي غير مُصدقة أنها أعادته للحياة، وقد أصبحت (نبيّة) وأعادت الحياة إلى جسد ميت، إلا أن حجر الصبر الذي استمع إلى كلماتها لابد وأن يتفتت لتتحرر روحها، فما كان منها إلا طعنه يسكين كانت تحمي به نفسها من الجنود ــ في الأغلب كانت ستقتل نفسها ــ ليسقط الزوج بجوارها مفتوح العين على كل حقائق حياتها، بينما هي تبتسم ابتسامة التحرر الغامضة. 




الأسلوب

اعتمد رحيمي أسلوباً في الإخراج ينتمي لأساليب الأفلام الأوروبية الكبيرة، خاصة تلك الأفلام التي تناولت ظاهرة الحرب دون مباشرة، فقط لتصبح خلفية لأحداث أكثر قسوة من مشاهد الدمار، قسوة على أواح وأجساد الأبطال. نذكر منها فيلم (هيروشيما حبيبي) لآلان رينيه، في ما يخص الحوار والمنولوج الطويل لبطلة الفيلم، وكأنه تعليقاً على الأحداث من وجهة نظرها، وانعكاس ذلك على اللحظة التي تحياها. و(روما مدينة مفتوحة) لروبيرتو روسيلليني، في ما يخص آثار الدمار في الطرق والشواع وأسوار البيوت المُهدّمة. أما البلاغة الحوارية، وتصاعد الحوار الدرامي في الموقف الواحد، والانتقال من حالة إلى أخرى هي المقصودة من البداية، فكان التأثير المباشر من (صرخات وهمسات) لبرجمان، خاصة في ضبط أداء الممثلين ــ بطلة رحيمي هنا ــ وتبدل حالتها في لحظة من حال لآخر. إلا أن رحيمي استطاع بفضل كاتب السيناريو جان كلود كاريير أن يصوغ روايته في مُعادل بصري دال ــ رغم محدودية الأماكن ــ والإيقاع التأملي، الموحي بالغموض، الذي اختاره أسلوباً لتجسيد حكايته على الشاشة، جعلا الأمر عملاً سينمائياً راقياً إلى حد كبير.


الاثنين، نوفمبر 06، 2017

"داعش" وحركة البعث الديني ... تنظيم من مخلفات حزب البعث يتوسل بتراث الجهاد التكفيري!




قد تبدو المفارقة واضحة بين تنظيم يسير على صراط مستقيم من تراث حركات الجهاد التكفيرية، التي يحفل بها التاريخ الإسلامي، وبين طبيعته من خلال تأسيسه عبر بقايا قادة حزب البعث العراقي. الذين وجدوا ضالتهم في خطاب إسلامي قادر على استقطاب العديد من أعضاء وجنود هذا التنظيم. سنستعرض في البداية الجذور الفكرية التي يوهم بالاستناد إليها، والتي وجد ضالته في منهاجها المتواتر، ثم نتطرق إلى كتاب صدر حديثاً يحاول توضيح الصورة أكثر، كاشفاً كيفية نشأته وطبيعته وأهدافه. الكتاب للصحافي الألماني "كريستوف رويتر" وجاء تحت عنوان "السُلطة السوداء ... الدولة الإسلامية واستراتيجية الإرهاب". والذي يتوصل من خلاله إلى أن التنظيم يعود في نشأته إلى ضباط بعثيين من أتباع صدام حسين، خاصة العقل المدبر "حجي بكر"، الذي كان ضابطاً رفيعاً في مخابرات سلاح الجو العراقي. واعتمد الكاتب ــ الذي عمل في الشرق الأوسط لأكثر من ربع قرن ــ على العديد من الوثائق التي حصل عليها من مقاتلي المعارضة السورية بعد قتلهم حجي بكر في منطقة "تل رفعت" شمال حلب في يناير العام 2014. إضافة إلى شهادات أعضاء سابقين في التنظيم نفسه.

سقوط الأيدولوجيا
يعتبر تنظيم داعش من أعنف التنظيمات الجهادية والتكفيرية في تاريخ الحركات الدينية، ورغم أن التاريخ الإسلامي يشهد العديد من التنظيمات التي حاولت فرض توجهاتها وفكرها بالقوة، إلا أن الأمر في تنظيم داعش يختلف، ذلك لأنه من البداية يعتمد على الاستقطاب الطائفي قبل الأيديولوجي، إضافة إلى لغة الإرهاب التي لا يعرف سواها، في سبيل تحقيق حلم واهن هو عودة الخلافة وإقامتها على الأراضي العربية. إلا أن اللافت هو وجود جذور فكرية وحوادث سابقة استند إليها التنظيم، فلديه ميراث طويل من الفكر التكفيري والجهادي في تاريخ الإسلام كان من السهل العثور عليه دون مشقة، سعياً وراء هدف سياسي وبسط نفوذ سلطة سياسية لا شك فيها.

الإيهام بنهج تراث التكفير

كعادة الحركات والتنظيمات المتطرفة والمتشددة، هناك سوابق وأفكار يتبنونها، تعضد من الهدف السياسي الذي يسعون إلى تحقيقه. والبعض يرجع ذلك إلى الفرقة الرافضة للتحكيم بين علي ومعاوية، والخروج عليهما، خاصة بعد انتهاء حُكم الخلافة، وتأسيس النظام الملكي الوراثي في الإسلام. وبالتالي فهم ينتمون إلى ما يسمون أنفسهم بالخوارج. هذا الفكر من ناحية أخرى سيجد أساسه الفقهي أو التأسيس له من خلال المذهب الحنبلي، نسبة لأحمد بن حنبل أحد أئمة المذاهب الأربعة، هذا المذهب الذي تمسك بظاهر وحرفية النص، وابتعد تماماً عن التأويل.

من ابن حنبل إلى ابن عبد الوهاب

وسيأتي بعد ذلك ابن تيمية، الذي سيتخذ من فتاوى ابن حنبل مرجعاً لتبرير التشدد والتطرف، لكنه يتفوق عليه بأن تظل أفكاره حتى الآن بين مريديه حيّة، ومثار جدل كبير بين الفقهاء. وابن تيمية الموصوف بـ "شيخ الإسلام" هو صاحب التأثير الكبير على ما يُسمى بالـ "الصحوة الإسلامية" بمختلف تياراتها، خاصة السلفية الجهادية. وبعد ستة قرون ستأتي الحركة الوهابية بقيادة محمد بن عبد الوهاب، التي ستتخذ من ابن تيمية الأب الروحي لها، وما الوهابية إلا إحياء لدعوة ابن تيمية، والعودة بالناس إلى صحيح الدين، وتبني الجهاد كأسلوب لإقامة وتأسيس دولة الخلافة. ومن ناحية أخرى يتشابه تاريخ نشأة الوهابية مع ما تفعله داعش، من هدم للأضرحة وتنفيذ الإعدامات الجماعية، وإقامة ما يُعرف بالحدود دون قيد أو شروط. هذه هي الرؤية التي تحايل التنظيم ونشأ في ظلها، واهماً أتباعه بتبنيها والعمل من خلالها، وشاغلاً المُنظرين بالدوران في فلك المرجعيات والحوادث التاريخية، لكن الأمر في حقيقته حسب مؤلف كتاب "السُلطة السوداء ... الدولة الإسلامية واستراتيجية الإرهاب" يفضح تهافت هذه الأفكار، وكشف الكثير من المفارقات حول طبيعة التنظيم ودوره في إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة.

البحث عن دولة

يسرد المؤلف في البداية أن تنظيم داعش ما هو إلا جهازاً استخباراتياً يسعى لإقامة دولة، ثم يورد قصة "حجي بكر" أو سمير عبد محمد الخليفاوي، الذي كان يعمل عميداً في مخابرات الدفاع الجوي العراقية قبل حلها، فهو المُخطِط الاستراتيجي للتنظيم، مُستعرضا العديد من الوثائق لمخططات وجدت في منزله في تل رفعت بعد مقتله على يد الثوار السوريين في يناير 2014. موضحاً أن جميع الأحداث التي تلت مقتله تؤكد تمسك التنظيم بتعليماته وخططه بشكل كامل. فالتنظيم إذاً وريثاً لأجهزة مخابرات نظام صدام حسين المنقضي، وأغلب ضباطه من البعثيين. وبما أن موجة البعث لم تعد كافية لجذب الأنصار والمتعاطفين، فكان تصدير التنظيم من خلال الخطاب الإسلامي، وذلك لإضفاء شرعية تاريخية ودينية على أعمال التنظيم، ومن ناحية أخرى الضمان له بالإمدادات المالية والبشرية اللازمة، وهذا يمنحهم شرعية لم يكن يتمتع بها حزب البعث قط، ذلك لأنهم سيستندون هكذا إلى تاريخ عمره ألف وأربعمائة عام وليس ستين عاماً فقط. فتنظيم الدولة الإسلامية لا يعود إلى فقهاء وعلماء مسلمين، بل إلى جنرالات وضباط استخبارات علمانيين في حزب البعث العراقي. ويوضح الرجل أكثر .. بأنه عندما قامت القوات الأمريكية بغزو العراق وأقدم رئيس الإدارة الأمريكية السابق في العراق بول بريمر على حل الجيش العراقي، حينها تمت تصفية العديد من ضباط الجيش العراقي، وتسريحهم، فانتقلوا إلى مقاومة قوات الولايات المتحدة، وذلك من خلال تأسيسهم ما يعرف باسم "كتائب البعث"، وهي التي مهدت الطريق إلى تنظم "الدولة الإسلامية". وما الشخصيات التي تتصدر المشهد، كالـ "البغدادي" وغيره، سوى دُمى يتم تصديرها إعلامياً، لتعتبر واجهة مناسبة تضفي على التنظيم الشكل المطلوب، والابتعاد تماماً عن شخصيات وأفكار مؤسسيه الحقيقيين.

النظام السوري

ويذكر المؤلف من خلال العديد من الأحداث والوثائق مدى تورط المخابرات السورية في دعم تنظيم داعش والتعاون معه، منذ احتلال العراق في العام 2003. موضحاً كيف أن سلاح الجو السوري لنظام الأسد كان يعمل دائما في خدمة تنظيم داعش، بإنقاذه في معاركه مع الثوار، في حين أنه لم يتعرض إلا نادراً لقوات داعش التي كانت بدورها تعمل على إنقاذ قوات النظام من خلال قتال قوات الثوار. وهناك العديد من الحوادث الدالة كقصف القوات الجوية السورية التابعة للنظام العديد من فرق المتمردين عليه فقط، أما تنظيم الدولة الإسلامية فلم يتم قصفه، وذلك لأنه ــ بصفته رمزاً للإرهاب ــ يعتبر بمثابة هدية من الله بالنسبة لنظام الأسد، الذي لولاه لكان الجهاديون قد فرضوا سيطرتهم منذ فترة طويلة على دمشق.

الخطط

"سنعين أذكى العملاء شيوخاً للشريعة ... وسيتم اختيار عدداً من الأخوة وتزويجهم ببنات أكثر العائلات نفوذا لضمان التغلغل في هذه العائلات دون إدراكها لذلك". هكذا كتب "حجي بكر" في مذكراته، وهو ما يقوم به التنظيم بدقة، فالخطة دائماً تبدأ بالتفاصيل نفسها .. تجتذب المجموعة تابعيها عبر افتتاح مكتب دعوي. ثم يتم اختيار شخص أو شخصين ممن يحضرون الدروس والندوات الدينية ويوكلون بمهمة التجسس على قراهم للحصول على معلومات عديدة، ثم يتم تحديد الأشخاص المؤثرين والقادة العسكريين ورسم خريطة لتوجهاتهم وميولهم. كما يتم الحرص على الاحتفاظ بتفاصيل مخزية لهم، كالسوابق الإجرامية أو الميول الجنسية الشاذة أو الارتباط بعلاقات غرامية، وذلك لاستخدام هذه المعلومات بهدف الابتزاز في ما بعد. وفي وقت لاحق بات يتم كسب بعض الأعداء من خلال المال والمناصب، وفي نهاية المطاف وفشل هذه المحاولات يتم اختطافهم واغتيالهم. وإلى جانب ذلك كانوا يوزعون في الاحتفالات والفعاليات الدعائية المصاحف المجانية وينظمون في شهر رمضان وجبات الإفطار الجماعية وموائد الرحمن.

مصادر التمويل

ويصف كريستوف رويتر في تفصيل دقيق كيفية حصول التنظيم على الأموال، بداية من السيطرة على حقول النفط، وبالتالي بيعه، خاصة للنظام السوري، وذلك بسبب وجود المصافي لدى نظام الأسد. والمصدر الأهم بعد ذلك لا يتوقف على النفط أو تجارة الآثار، وإنما يتمثل في الضرائب والمصادرات من السكان الخاضعين لمناطق نفوذه. ويُلاحَظ أن التنظيم بعد الاستيلاء والسيطرة على العديد من مستودعات السلاح، شعر بأنه أصبح في غاية القوة، حتى أنه صار يقاتل ضد الجيش السوري نفسه.

السُلطة الدينية والعسكرية

لم تزل المنطقة الموسومة بالشرق الأوسط تقع بين السلطتين الدينية والعسكرية، وإن كانت في السابق تعيش السلطة الدينية في كنف سلطة العسكر، إلا أن هوجة البعث الديني قلبت الموازين، وأصبح تصدير الخطاب الديني هو الأكثر استيعاباً لتفعيل هذه السلطة على أرض الواقع، ولو جماهيرياً وإعلامياً، فالحروب الدينية هي سمة هذا العصر، وهي المنوط بها إعادة تشكيل وترسيم حدود المنطقة من جديد، بمساعدة نظم عربية ديكتاتورية، أضحى النظام الملكي الوراثي هو أساسها، وهنا تكمن المفارقة الأخيرة بين تنظيم مدعوم من هذه النظم، ويوهم باستناده الفكري إلى فرق قاومته بالأساس! 

قراءة في كتاب "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" لجورج طرابيشي ... استقالة العقل في الإسلام



سنحاول استعراض أهم النقاط التي جاءت في كتاب (جورج طرابيشي 1939 ــ 2016) "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث .. النشاة المُستأنفة"، وهو الكتاب الأخير في مشروعه الخاص بنقد الفكر العربي. نظراً لما يمثله من كشف لمدى الأزمة التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية حتى الآن، والمتمثلة في ما يمكن أن يُطلق عليه (استقالة العقل العربي)، والذي يختلف عنه عند الجابري في كونها تمت من خلال عوامل خارجية من تيارات الموروث القديم للآخر، بينما يراها طرابيشي متجسدة بعيداً عن هذا الآخر، بفعل كُتّاب الحديث، الذين غيّبوا القرآن لصالح الحديث، والعقل لصالح المعجزة.

من إسلام الرسالة إلى إسلام التاريخ

عمل الإسلام الأول على تثبيت الخطاب القرآني في نص مؤسِس، بينما إسلام القرون اللاحقة عمل على تثبيت السُنة. وقد أصبح هذا الهامش متناً وشكّل نصاً مؤسساً بدوره، فاق النص الأساس. فنجد أن الشافعي على سبيل المثال يقر بفرضية أن الرسول لا ينطق إلا عن وحي، حتى عندما لا ينطق بالقرآن، فقد أُنزلت الأحاديث التي وُضعت على لسان الرسول بعد وفاته منزلة الوحي! فصارت مُلزمة، حتى أن ابن حزم يقر بهذا الإلزام إلى يوم القيامة، فلا اعتبار لأي تغيير في الزمن والوقائع والتاريخ. ويستمر طرابيشي في فروضه، ويوضح الأمر أكثر من خلال ثنائية طاعة الله وطاعة الرسول، فيرى أن الأمر بإطاعة الرسول لا يخوّل له سلطة تشريعية، ــ كما يروّج لها الفقهاء من خلال مقولات وأفعال السُنة ــ التي هي من حق الله وحده، بل تكمن الطاعة في ما يدعوهم إليه من الإيمان بما أنزل إليه من ربه. فالرسول بذلك ــ حسب طرابيشي ــ بشر لا يتميز عن سائر البشر إلا بكونه ينزل الوحي عليه ليبلغه إلى الناس، وهو بحكم ذلك يخطئ ويصيب ــ راجع حادثة تأبير النخل ــ فالسُنة تأصلت من خلال تحوّل الإسلام إلى المجتمعات الأخرى، من العقيدة إلى الغزوات، وبالتالي تم التنوع في قراءة النص الأصلي وتفسيراته. وهو ما يوضحه التوسع الجغرافي للإسلام خارج الجزيرة العربية، والنزاعات بين أهل الكلام والفرق الدينية، حتى انتصر أهل السُنة، وجاء الفقهاء في سلطتهم الجديدة ــ سلطة التشريع ــ التي جعلت من السنة أن تتجاوز القرآن، وتصبح المرجع الأساس للفقه ــ يتفق طرابيشي إلى حد كبير ورؤية محمد أركون ــ هذا التحول هو ما يمكن أن يُسمى .. من الرسالة الى التاريخ.

النبي الأمي والنبي الأممي

الشائع فقهاً، وعن طريق تأويل الأحاديث النبوية أن لفظة "الأمي" تعني أن الرسول يجهل القراءة والكتابة، وهو أمر شابه الكثير من الشك في الدراسات الحديثة، بخلاف دراسة طرابيشي، الذي يرى أن الكلمة تعني تعني الأمة التي لا كتاب لها. فقد أرسله الله إلى الأميين العرب، الذين لم يكونوا أصحاب كتاب على غرار مَن اعتنقوا اليهودية أو المسيحية. بينما يذهب الفقهاء وكتب الحديث إلى أن كلمة "الأمي" تعني أن محمد هو نبي أمم الأرض بكاملها من دون استثناء. ويلاحظ طرابيشي أن أهل البلاد التي تم غزوها كانوا أكبر المساهمين في تطوير صناعة الفقه، وهذا ما أوجد تلاقياً في المصالح بين "الأوتوقراطية العربية الفاتحة وبين النخب والشرائح المثقفة من شعوب البلدان المفتوحة" فغدت العلاقة بينهما شراكة بين طرفين، أحدهما دخل فاتحاً يحمل تشريعاً إلهي المصدر، والآخر من أهل البلاد المفتوحة ينهض بمهمة استمرارية هذا التشريع عبر "تطوير السنة النبوية، وتأميم الرسول العربي" لدرجة أن الحاجة إلى القوة العسكرية لدى الفاتحين قد تلاشت بعد أن أصبحت الإمبراطورية العربية "تتولد ذاتياً" بفعل تلك العلاقة المصلحية (راجع: خالد غزال/صوت اليسار العراقي).

انقلاب الشافعي

يذكر طرابيشي "أن الشافعي نفّذ انقلابا حقيقيا على الصعيد اللاهوتي والابستمولوجي معا عندما جعل للسنة الرسولية البشرية نصاباً إلهيا وبوأها منزلة الأصل في الكتاب وكرّسها شريكة له في التحكم بمصائر كل العقل في الاسلام، سواء منه العقل الديني أو المعرفي ... لعل مثل هذا الانقلاب التأليهي في الإسلام لا يجد ما يناظره في تاريخ الأديان سوى الانقلاب الذي شهدته المسيحية في القرن الرابع الميلادي عندما جرى، مع تنصر الامبراطورية الرومانية، تنصيب المسيح إلها ابنا مشاركا في الجوهر للإله الأب". كما يترتب على ذلك انتفاء "بشرية الرسول". كل ذلك رغم ما يُشاع عنه بأنه معتدلاً توفيقياً بين مدرستي الرأي والحديث. وقد جعل من السُنة "وحياً غير متلو". (راجع: محمد أبو الخير/المسلم المعاصر). هذي بعض المشكلات التي ناقشها المفكر الرحل جورج طرابيشي، والتي توضح ــ سواء تم الاتفاق أو الاختلاف معها ــ إلى أي مدى يعاني المسلمون من معضلات سياسية بالأساس، أصبح الديني والمقدس يدور في فلكها، وهو ما يرمي بظلاله ويتنفسه المسلمون في معاملاتهم وتفاصيل حياتهم، التي صاغها الفقهاء، وابتعدوا بهم عن النص الأول والمؤسس للإسلام (القرآن)، وأن للسلطة السياسية الدور الأكبر في صياغة سلطة الفقهاء وتحكمهم في مخاليق الله.
...........

بيبلوغرافيا

ولد طرابيشي في مدينة حلب عام 1939، وحصل على الليسانس في اللغة العربية، ثم درجة الماجستير في التربية بجامعة دمشق. وعمل مديراً لإذاعة دمشق بين عامي 1963، 1964، ورئيساً لتحرير مجلة "دراسات عربية" بين عامي 1972، 1984، كما عمل محررا لمجلة "الوحدة" أثناء إقامته في لبنان بين عامي 1984، 1989. ثم غادر لبنان إلى فرنسا التي أقام بها متفرغا للكتابة والتأليف. إضافة إلى كونه الأمين العام لرابطة العقلانيين العرب، وعضو هيئة الأوان الاستشارية. ترجم طرابيشي العديد من أعمال كبار المفكرين والفلاسفة الغربيين، مثل .. هيغل، فرويد، جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار. كما قدم عددا من الدراسات والأبحاث في الفكر والفلسفة والنقد الأدبي، منها .. الماركسية والمسألة القومية، رمزية المرأة في الرواية العربية، مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، من النهضة إلى الردّة، المثقفون العرب والتراث، عقدة أوديب في الرواية العربية، الله في رحلة نجيب محفوظ، الاستراتيجية الطبقية للثورة. إضافة إلى أهم أعماله الفكرية التي تأتي تحت اسم "نقد نقد العقل العربي".

الباحث والروائي المصري "حامد عبد الصمد" ... الإصلاح الديني لا يأتي بقرار رئاسي والحل ليس في التفسير العصري للنصوص بل تحييدها تماماً عن كل ما هو دنيوي

تثير دوماً أفكار وآراء الباحث والروائي حامد عبد الصمد الكثير من الجدل، خاصة أنها تناقش مسائل جوهرية تتعلق بالأزمة التي يحياها العالم الإسلامي، وتبعات ذلك من أزمات تتعلق بجميع مناحي الحياة، خاصة السلطة وتعدد أشكالها، بداية من سُلطة النص، وصولاً إلى السلطة السياسية التي تستظل به كلما دعت مصلحتها ذلك. فكان معه هذا الحوار وفي هذا التوقيت الذي يحتم علينا مراجعة أفكار موروثة، جعلت هذه البقعة من العالم/الشرق الأوسط ساحة من الأوبئة الفكرية نشهد ونعيش أثارها أكثر من أي وقت مضى.




ــ بداية ... ما رأيك في فكرة الإصلاح وتنقية التراث ومقولة تجديد الخطاب الديني

ما فائدة أن تدهن سيارة قديمة بدون فرامل، بلون جميل وتكتب عليها: سيارة صالحة لكل العصور؟ تنقية التراث وتغيير الخطاب الدينى أمر هام وضرورى طبعاً، ولكن كيف؟ فصل علم الحديث ومدارس الفقه الإسلامى عن نشأة الإسلام ليس تنقية للتراث، بل تزييف للحقائق. مَن يريد إصلاحاً حقيقياً عليه أن يبدأ بالقرآن والسيرة النبوية، لأنهما الأساس الذى بنى عليه التراث الإسلامى كله. هناك فارق كبير بين التبرير والإصلاح، ولكن الكثيرين ممن يسمون أنفسهم "مصلحون" مهتمون بتحسين صورة الإسلام أكثر من إهتمامهم بالإصلاح الحقيقى. ولكن مشكلة الإسلام الحقيقية ليست صورته، بل هى مشكلة الإسلام مع نفسه، مع نصوصه المقدسة ومع تصوره للعالم و الإنسان والمجتمع والتاريخ.

ــ وهل يجدي دور السلطة السياسية، خاصة مع تكليف الأزهر بالموضوع، وهل الأزهر كمؤسسة جديرة بالتصدي لهذا الأمر؟

أن يعترف رئيس دولة مسلمة أن لدينا مشكلة مع النصوص المقدسة وأن ينادى بإصلاح الخطاب الدينى، فهذا شئ جيد لا شك. لكن لا يمكن للإصلاح الدينى أن يأتى بقرار رئاسى. الدولة تستطيع أن تجرى إصلاحات فى مجال التعليم وفى هيكلة وزارة الأوقاف، لكنها لا تسطيع أن تصلح ما أفسده 14 قرناً بقرارات سياسية. والأزهر لا يستطيع أن يكون المنوط بعملية الإصلاح، لأن الأزهر هو جزء من المشكلة، فكيف يكون جزءاً من الحل؟ بالطبع يستطيع الأزهر حذف بعض مقرراته الدراسية التى بها تحريض على العنف والقتل، ولكن الإصلاح لا يأتى بحذف النصوص، ولكن بنزع القدسية عن هذه النصوص والتعامل معها بمنطق عقلى نقدى تحليلى. وهذه هى مشكلة الأزهر مع المصلحين، لأن الأزهر يرى نفسه كحارس للتراث، وشرعية الأزهر مستمدة مباشرةَ من الحفاظ على قدسية هذه النصوص. إذن فالإصلاح يعنى أن الأزهر سيقطع فرع الشجرة الذى يجلس فوقه، وهذا لن يحدث. إصلاح الأزهر مثل إصلاح الإتحاد السوفيتى: حين تجرأ جورباتشوف على أخذ خطوات جادة نحو الإصلاح، إنهار الكيان القديم كله فوق رؤوس الجميع.   

ــ الأمر يدعونا لمناقشة المفارقة ما بين الأصل الديني والممارسة الدينية، هناك من يرى أن المشكلة في تطبيق النصوص، دون النصوص ذاتها؟

مشكلة النصوص لها أكثر من شِق: هناك النص نفسه ومضمونه وسياقه التاريخى، وهناك قدسية النص والنظر إليه كرسالة أو أمر من الله يستوجب التطبيق فى كل زمان ومكان، والشق الأخير للمشكلة هو فكرة التطبيق ذاتها. المشكلة ليست التطبيق الجيد أو السئ للنصوص، ولكن المشكلة هى أننا مهووسون بالتطبيق! الإرهابيون يستشهدون بنصوص تحض على العنف ويطبقونها بحذافيرها، والمصلحون يستشهدون بنصوص جميلة تحض على التنوع والتسامح ويريدون أن يطبقونها، ولكن الطرفين هما وجهان لعملة واحدة. كلاهما يعتبر النص دستوراً وحَكَماَ، وكلاهما يختار النص الذى يوافق مشروعه أو توجهه بانتقائية فجّة. لماذا يلوم المصلحون السلفيين والإرهابيين فى حين أنهم أيضاً يستشهدون بالنصوص المقدسة؟ الحل من وجهة نظرى ليس تجاهل النصوص التى تدعو للعنف والتركيز على النصوص التى تدعو للتسامح، بل تحييد كل النصوص سياسياً وتشريعياً.

ــ وهل تبدو المفارقة في ما بين النصوص المكية والمدنية، وما أثر ذلك؟ مسألة الاستناد الدائم للنصوص المكية، لتصحيح الصورة أو تجميل الوجه

حاول المفكر السودانى محمود محمد طه طرح فكرة أن النصوص المكية صالحة لكل زمان لأنها تحتوى على مبادئ عامة، أما النصوص المدنية فهى تعالج ظروف معينة وقد انتهت صلاحية هذه النصوص بإنتهاء ظروفها. أما أنا فأرى أن كل من نصوص مكة ونصوص المدينة هى انعكاس لظروف زمانها، وقد انتهت صلاحية كل منهما بانتهاء ظروفها وزمانها. تاريخ القرآن واضح: فى مكة لم تكن هناك دولة ولا مجتمع إسلامى، وكان المسلمون أقلية مستضعفة، لهذا كانت النصوص غير سياسية وكانت تدعو للتسامح والتدبر فى خلق السماوات والأرض والتركيز على فكرة التوحيد. وحين انتقل الرسول للمدينة بنى مجتمعاً ودولة وجيش، فأصبحت النصوص تصف حروباً وصراعات لاهوتية مع اليهود والمسيحيين وتشريعات وحدود. فى مكة قال القرآن للمشركين "لكم دينكم ولى دين" وهذه آية لا علاقة لها بالتسامح، بل بقلة الحيلة، لأن المسلمين كانوا مستضعفين، والمستضعف لا يمنّ على من حوله بالتسامح، بل يطلب هذا التسامح منهم. وحين هاجر النبى للمدينة قال لليهود فى البداية "لا إكراه فى الدين" لأنه كان يحتاج إلى مساعتدتهم فى حروبه مع كفار مكة. لو كان الرسول قال لأهل مكة حين فتحها فيما بعد "لا إكراه فى الدين" أو "لكم دينكم ولى دين" كان من الممكن أن نقول إن الإسلام دين تسامح، ولكنه حطم أصنامهم ونادى بإخراج المشركين من جزيرة العرب. وبعد حدوث الشِقاق مع اليهود لم تعد آية "لا إكراه فى الدين" لها أهمية، بل "إن الدين عند الله الإسلام"، وحُكم على أهل الكتاب أن "يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون". ومن وجهة نظر إسلاموية فإن نصوص مكة تصلح حين يكون المسلمين أقلية، أما بعد التمكين وسيطرة المسلمين على أواصر الدولة بات من الضرورة تطبيق النصوص المدنية. وهذا كلام منطقى لو اتفقنا أن القرآن كلام الله، فالله لا يحتاج سياق زمنى ومكانى حتى يتكلم، وكلامه أزلى.

ــ توصلت في كتابك (سقوط العالم الإسلامي) إلى عقم استقراء التاريخ الإسلامي عن إنتاج صيغة معاصرة قادرة على التعايش، بماذا تفسر محاولات الإصلاحيين من الإسلاميين في البحث عن هذه الصيغة؟ كمحاولات البعض تأويل النصوص بعيداً عن حرفيتها للخروج من مأزق ما تحمله من أفكار

كنت أحاور صديق باحث يحاول تطوير رؤية عصرية للقرآن وقلت له "ما الذى يجعلك على يقين أن تفسيرك للقرآن أصحّ من التفسير السلفى؟ كون هدفك نبيل لا يجعل قراءتك هى الأصح". نحن نتهم الإسلاميين أنهم يقومون بتسييس الدين، فلماذا نستشهد نحن أيضاً بالنصوص الدينية لأغراض سياسية كالتعايش أو السلام؟ مرة أخرى: الحل ليس تفسير عصرى للنصوص، بل تحييد هذه النصوص ونزع القداسة عنها. الحل هو رفض الوصاية الدينية سواء كانت هذه الوصاية تحمل سلاحاً أو وروداً. أعتقد أننا بعد صدور الإعلان العالمى لحقوق الإنسان لسنا بحاجة لإعادة استنطاق النصوص القديمة للحصول منها على موافقة بأثر رجعى على أن نعيش فى حرية وسلام وألا يجور أحدنا على الآخر. لسنا بحاجة إلى أن نعيد اختراع العجلة من جديد. المشكلة هى أننا كمسلمين نشعر بالحرج أن الغرب سبقنا إلى تطوير صيغة للتعايش بها حرية ومساواة أفضل من الصيغة التى جاء بها الإسلام، فردت دول منظمة التعاون الإسلامى بإعلان القاهرة لحقوق الإنسان فى الإسلام سنة 1990، وهى وثيقة مضحكة تتحدث عن حقوق الإنسان ولكن بشروط الشريعة الإسلامية، فأصبحت ضد حرية العقيدة وحرية المرأة والحرية الفردية. المصلحون لا يفعلون شئ آخر سوى أنهم يحاولون أن يجعلوا من النبى محمد المؤلف الحقيقى للإعلان العالمى لحقوق الإنسان، وفى هذا التواء غير مبرر وغير ضرورى للحقائق، فالنبى عاش فى زمن آخر وكانت دعوته موجهة لهذا الزمن ولم تكن تراعى ظروف البشر فى القرن الحادى والعشرين. مشكلة المصلحين مع السلفيين هى أن أنصار الشريعة يريدون أن يأتوا بالقرن السابع الميلادى ليحكم فى القرن العشرين، ولكن بعض المصلحين يفعل نفس الشئ ولكن لهدف نبيل.

ــ هل ترى أن "إسلام البحيري" حاول بالفعل نقد التراث الديني؟ وهل تحرر الرجل من المفاهيم الأولية لنشأة الإسلام؟

أنا أحترم جهد الأستاذ إسلام البحيرى كثيراً، وهو خلق حالة من النقاش حول مسائل التراث والأحاديث غير مسبوقة. ولكن على مَن يريد أن يتخلص من حقول ألغام التراث أن يخرج خارج صندوق التراث. مشكلتى مع الأستاذ البحيرى هى أن محاولته الدؤوبة لتحسين صورة النبى والدفاع عن القرآن تفقده موضوعية الباحث المحايد. النبى والقرآن ليسوا بحاجة إلى دفاع، ولكن بحاجة أن نضعهم فى سياق زمانهم وألا نحملهم فوق طاقتهم. الأستاذ إسلام البحيرى يلوم على الفقهاء أنهم إما أساءوا فهم كلام النبى ونصوص القرآن أو أنهم أوّلوها لتخدم أهدافهم. ولكن فى الحقيقة الأستاذ إسلام يفعل الشيء نفسه .. يدّعى أنه وحده مَن يفهم المغزى الحقيقى لكلام النبى والقرآن، وذلك ليخدم أهدافه أو قناعاته الإصلاحية. فلو أن كلام الله والرسول أُسئ فهمه طوال 1400 سنة، ويحتاج اليوم إلى مَن يشرح للمسلمين ماذ كان يقصد الله، لو أن الأمر كذلك، إذن فالإسلام دين مزيف وتاريخه كله وما ترتب عليه باطل.

ــ أين ترى المشكلة الأساسية .. النص وتجلياته في الواقع أم التراث الفقهي؟ فكرة حُكم العالم، والنظرة الصحيحة المطلقة والوحيدة وخير أمة أخرجت للناس، هذه المقولات التي أصبحت تعبر عن الحلم أكثر من الواقع

المشكلة تبدأ من تصورنا أن الله يتكلم، ويختص مجموعة من البشر دون غيرهم بكلامه، بل وأنه قرر السكوت إلى الأبد واختصنا بآخر كلام له قبل أن يسكت. فمن المنطقى أن ننظر لأنفسنا كخير أمة أخرجت للناس. وبما أن القرآن هو آخر كلام الله والإسلام آخر رسالاته فمن المعتقد أن يشمل هذا الكلام وهذه الرسالة على آخر مانيفيستو إلهى للبشرية، بما فى ذلك التشريعات والقوانين والتصور الأمثل للمجتمع والأخلاق. وبما أننا خير أمة أخرجت للناس فمن واجبنا أن نحقق إرادة الله على الأرض بتطبيق شرائعه وقوانينه. هنا تكمن المشكلة. الديانات السماوية الأخرى تحررت منذ زمن من فكرة النص الإلهى وصارت تنظر لكتبها المقدسة كنتاج بشرى، لذلك كان من السهل تفسيرها وتحييدها، ولكن فى الإسلام نحن أمام كلام الله المباشر، فمَن هذا الذى يستطيع أن يفسر كلام الله؟ فكرة التفسير تتعارض مع فكرة آخر كتب الله. فلو أن الله أراد أن يعطى البشر آخر رسالة وآخر كتاب، فلماذا لم يترك هذا الكتاب يشرح نفسه بنفسه، لماذا كل هذا الغموض وهذه الكلمات المبهمة والسياقات المبتورة؟ لماذا يعتمد الله على بشر يخطؤون وينحازون كى يفسروا لعباده ماذا كان يقصد بهذه الآية أو بتلك؟ كيف يستطيع الإنسان الضعيف المحدود بالزمان والمكان وحدود اللغة والتصور أن يفسر كلام الله المتعالى العارف ببواطن كل شئ. هنا أستطيع أن أفهم السلفى الذى يقول القرآن واضح ولا يحتاج تفسير وحين يقول القرآن "واهجروهن فى المضاجع واضربوهن" فهو إذن من الله للرجل أن يضرب زوجته لو نشزت. ولكن يأتى الوسطى المصلح الذى يشعر بالإحراج وسط العالم المتحضر الذى يعتبر ضرب المرأة جريمة ويبدأ فى تأويل عقيم ويحاول إثبات أن كلمة "إضربوهن" لا تعنى إضربوهن. هذا هراء وضحك على الذات. التعامل الأمثل مع مثل هذه الآيات هو أن نقول: حتى لو كان القرآن يسمح للرجل بضرب زوجته، فإننا نتفق أن ضرب المرأة عار وجريمة. بلا تبرير أو تأويل! هنا تتبلور فكرة الإصلاح التى أؤمن بها: ليس إصلاح النصوص أو إعادة تفسيرها بصورة عصرية، بل إصلاح تفكير الفرد وأسلوب تعامله مع النصوص حتى لا ينظر إليها ككتاب إرشادات يشمل كل صغيرة وكبيرة فى الحياة.

ــ تحدثت عن أن أسباب نجاح الدولة الإسلامية الأولى هي نفسها أسباب أزمة المجتمعات الإسلامية الآن. هل من الممكن توضيح ذلك؟

بداية الإسلام كان بها عيب خلقى غير مقصود، وهو النجاح الكبير. اليهودية والمسيحسة نشأت كحركات صغيرة عاشت كأقليات لقرون طويلة وتعلمت من ذلك التعايش مع مجتمعات أخرى لا تطبق تعاليم اليهودية أو المسيحية. أما الإسلام فتولى الحكم بعد سنوات قليلة من نشأته. الرسول لم يكن فقط نبى بل زعيم دولة وقائد عسكرى ووزير إقتصاد ومالية ومشرِّع وقاض ورجل شرطة فى نفس الشخص. كل ذلك كان ضرورياً فى وقته وبسبب الظروف المحيطة به. فكرة الجهاد وتقسيم العالم لمعسكر الكفار ومعسكر المؤمنين كانت ضرورية لضمان ولاء المسلمين ولتحفيزهم على القتال. لولا حروب الردة والفتوحات الإسلامية لما بقى الإسلام على قيد الحياة. وقد أدت هذه الحروب لنشأة اقتصاد إسلامى قائم على فكرة جباية الجزية وفدية أسرى الحروب وبيع العبيد. وظلت الدولة الإسلامية قوية طالما أن لها جيش قوى يغزو البلدان ويضمن تدفق الجزية والخراج. ولكن العالم تغير اليوم، وفكرة تقسيم العالم لعدو وصديق تتنافى مع فكرة العولمة، واقتصاد الجهاد لم يعد يكفى لتحيا البلاد فى رخاء، ولكن لأننا لا نقدس فقط للقرآن بل أيضاً نقدس التاريخ الإسلامى فما زال الكثيرون يحلمون بغزو العالم وفرض الجزية عليه. نحن لا نزال محبوسون فى هذا التاريخ المقدس.

ــ أسلوب العلاج بالصدمات وهو ما يتهمك البعض باتباعه كتشبيهك بنشأة الإسلام بنشأة المافيا على سبيل المثال!

عملت هذه المقارنة فى سلسلة حلقات "صندوق الإسلام" التى أبثها على اليوتيوب. وهى مقارنة من حيث ظروف نشأة المافيا والإسلام. كلاهما ملأ فراغاً فى مجتمع تسوده الفوضى واللاقانون. كلاهما اعتمد فى بداياته على فكرة السطو والجزية أو الأتاوة. كلاهما يعاقب الخائن أو المرتد بالقتل. فكرة الطاعة العمياء وخمس الغنائم للزعيم .. هذه كلها عوامل تجعل المقارنة مقبولة. وعلى فكرة كلمة (مافيا) أصلها عربية، وجذور المافيا فى جزيرة صقلية تعود لقبيلة (المعافر) العربية، التى كانت تغصب سكان باليرمو على دفع الأتاوات. وجانب آخر من الشبه هو أن أنصار المافيا اليوم يقولون إن المافيا ولدت كمنظمة أخلاقية بهدف تحقيق العدالة فى صقلية وأخذ المال من الأغنياء وإعطائه للفقراء، ولكن الأجيال التى جاءت بعد جيل التأسيس أساءت إستخدام الفكرة وانحدرت نحو عالم الجريمة. هل يذكرنا ذلك بشئ؟! وعموماً الهدف من هذه المقارنة هو تقديم فكرة أن التاريخ نسبى، فقد تعتبر نفسك وأمتك خير أمة أخرجت للناس فى حين ينظر إليك الآخرون كأكبر مشكلة عرفها العالم.

ــ ألم تجد حلاً لمعضلة الشرقي وما يحمله من تراث، عندما يواجه الأمر بقدر من العقلانية؟ حالة الضياع التام هذه التي عاشها بطل روايتك (وداعاً أيتها السماء)

أعتقد أن الحل هو التحرر من حقائب السفر الثقيلة التى يحملها "الشرقى" لو صح التعبير- معه فى كل مكان فتعوقه عن الحركة. ليس كل ما هو قديم جميل أو صحيح، وليس كل ماهو حديث خطأ أو خطير. حقائب السفر وظيفتها تسهيل السفر لا إعاقته. والمعضلة الحقيقة تبدأ حين يتماهى المسافر مع حقائب سفره ويظن أنهما نفس الشئ. التاريخ والتراث جزء من حياتنا بالطبع ولكنهما ليسا حياتنا. ولابد هنا أن نفرق بين ثلاثة أنواع من التاريخ: التاريخ المقدس الذى صنعه الله، والتاريخ الذى صنعه الأجداد، والتاريخ الذى نصنعه نحن. كثيراً ما نبقى محبوسين فى النوعين الأولين وننسى النوع الثالث مع أنه هو الأهم.

ــ وعن اللحظة الراهنة مارأيك في ما تفعله السلطة السياسية من تقويض لأي فكر مخالف، بحجة الحفاظ على الدولة؟

لو تكلمنا عن مصر، فهناك خطر حقيقى على الدولة، هو خطر الإرهاب والأصولية، ولابد للدولة ومعها الشعب على العمل معاً لصد هذا الخطر. ولكن هذا يجب ألا يكون ذريعة لتعقب ومعاقبة كل مَن يخالف الدولة أو الحكومة. فأنت لا تسطيع أن تنادى بالتغيير فى حين أنك تضطهد المعارضين وتنعتهم بالخيانة والعمالة. لا تستطيع أن تطالب بإصلاح الخطاب الدينى، فى ظل قانون "ازدراء الأديان" واضطهاد الملحدين. أعتقد أن الملحدين قادرين على إصلاح الخطاب الدينى أفضل من الأزهر، لأنهم غير مقيدون بالتراث وبما عُلم من الدين بالضرورة حين ينتقدون الدين وحين يطرحون أسئلة جريئة، وأسئلتهم هذه تستفز رجال الدين وتجبرهم على تقديم إجابات منطقية بعيدة عن مفهوم القدسية. الشرط الأول من شروط الإصلاح هو حرية التفكير وحرية التعبير. من يضحى بهذه الحرية من أجل بقاء الدولة، لن يجد فى النهاية إلا شبح لهذه الدولة لا يسكن فيها إلا مسوخ لا تفكر ولا تغير شئ. الدولة لا تستطيع أن تصلح الخطاب الدينى بقرارات وإجراءات سيادية، ولكنها تستطيع أن تخلق المناخ المناسب لهذا الإصلاح، وهذا المناخ يحتاج حرية وتعليم قائم على الأسلوب النقدى التحليلى، لا على تمجيد الذات وشيطنة الآخرين! ولكن علينا ألا ننسى أن الدولة هى مجرد اتفاق مبرم بينى وبينك، فلو كنا جادين ستكون الدولة جادة، ولو كنا مترهلين ستترهل الدولة.

............
حامد عبد الصمد روائي وباحث متخصص في العلوم السياسية والدراسات الإسلامية، من مواليد القاهرة 1972 يعيش ويعمل في ألمانيا ويحمل جنسيتها. عمل بمنظمة اليونيسكو كخبير تربوى ومدرساً للدراسات الإسلامية بجامعة إيرفورت، ثم مدرساً للتاريخ الإسلامي بجامعة ميونخ الألمانية. صدرت روايته (وداعاً أيتها السماء) في طبعتها الأولى عام 2008 عن دار ميرت للنشر بالقاهرة، ولم تزل تتوالى طبعاتها حتى هذا العام. إضافة إلى كتابه (سقوط العالم الإسلامي) الصادر بالألمانية عام 2010، والذي ترجم إلى العربية في العام نفسه.