إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، فبراير 24، 2014

صورة الأديان في السينما ... تابوهات ودعاية ووعي ونقدي





للسينما أهمية كفن تواصلي أكثر تأثيراً على المتلقي من فنون الاتصال الجماهيري الأخرى كالقراءة والإذاعة، وقد عرف الكثيرون الأهمية السحرية لهذه الوسيلة، التي أصبحت مجالاً خصباً للدعاية لأفكار أو للحد ومهاجمة أفكار أخرى. إلا أننا نجد أن الموضوعات الدينية في السينما العربية جاءت في عمومها هزيلة، ولم تناقش الأشياء الجوهرية، والتغيرات الاجتماعية والسياسية التي أنتجها الدين، خاصة الدين الإسلامي، بما أن الغرب قد تكفّل بمناقشة اليهودية والمسيحية باستفاضة وجدل يُحسد عليهما. فالمقارنة بين تناول الموضوعات ذات البُعد الديني في كل من السينما العربية والعالمية لم تكن بحال من الأحوال في صالح السينما العربية

 
ما بين التاريخي والديني

بداية بما أن نشأة الديانة وتحولها من فكرة روحية إلى إنتاج أثر مادي ملموس على أرض الواقع، أي أتباع يدينون بها، يتأثرون بمفردات وعلاقات مجتمعهم، ثم الثورة عليها ومحاولة تغييرها وفق مفهومهم، لذا فقد أصبح الأمر بذلك واقعة تاريخية. من هنا جاء الخلط الكبير بين الفيلم الديني والتاريخي. وحتى الآن لم تستطع المعاجم السينمائية التفرقة الدقيقية بين الشكلين، لأن كل منهما يختلط بالآخر. وهو مدخل هام في حديثنا عن الموضوع الديني في السينما العربية، لأن الغرب شرّح الموضوع الديني وفق النظرة التاريخية، فجاءت السينما الغربية أكثر نقداً ومصداقية من السينما العربية التي تحولت إلى تصوير كتب السيرة النبوية، دون أدنى خيال فني، وهو أساس الفن السينمائي. وهو السبب في ظهور أعمال سينمائية تتسم بالفقر على مستوى الصورة والتقنيات السينمائية.

الكُفر والإيمان

ما بين عالمي الكُفر والإيمان دارت الأفلام العربية التي تناولت موضوعات دينية. وبما أن الدراما لا تقوم على التباين الحاد بين الأفكار والشخصيات التي تحملها، فقد جاءت هذه الأعمال في معظمها دون المستوى الدرامي. فشخصيات المجتمع قبل الدعوة الإسلامية إما عبيد مهانون، وسادة يرتعون في اللهو والفواحش، بحسب تعبيرات ذاك العصر. مع أن الشعر والنثر "الجاهلي" ــ وهو مصطلح تم تداولة بعد انتصار الإسلام في الجزيرة العربية ليصبح سمة لتاريخ المجتمع قبله ــ يحمل العديد من السمات الفكرية والروحية الفريدة، حتى أن فكرة "التوحيد" تم تداولها كثيراً في هذه الأعمال. لذلك نجد أن التناقض بين عالم الكفر والإيمان، وهذا التوتر الحاد بينهما، يتم القضاء عليه تماماً بعد ظهور الدعوة المحمدية، واستتباب الأمر لها، ليدخل الجميع في مدار الله أفواجا، وتتحول الشخصيات بدون منطق درامي ــ نتحدث عن عمل سينمائي ــ من الكفر إلى الإيمان فجأة. (والد هاشم في فيلم فجر الإسلام لصلاح أبو سيف)، وربما الوحيد الذي اتضح أنه انصاع للإسلام رغماً عنه هو أبو سفيان، كما صوره فيلم الرسالة لمصطفى العقاد، والذي كان يميل ميلاً شديداً للتفسير التاريخي لرؤية أتباع آل البيت للأمر برمته!




قصص الحب الباهتة

كان لابد من حكاية درامية تغلف سرد ظهور الإسلام وانتشاره، ولم تجد السينما العربية ــ وهي سينما تجارية بالأساس ــ سوى قصص الحب البرئ أو الشرعي. سواء بين العبيد (فيلم هجرة الرسول بطولة ماجدة وإيهاب نافع، إخراج إبراهيم عمارة)، أو بين أحد السادة وإحدى الجواري (فيلم فجر الإسلام)، أو أن قصة الحب بين الزوج وزوجته تنهار لاتباع الزوجة دين محمد، بينما يصر الزوج على دين أجداده (فيلم الشيماء إخراج حسام الدين مصطفى). والنظرة التجارية تمتد أيضاً لتقنيات تنفيذ هذه الأفلام، كما في الشيماء، الذي أظهر العرب فوق ظهور جيادهم كأفلام الغرب الأميركي (الويسترن)، وفيلم الرسالة، الذي تأثر في كادراته وتكوينات وأحجام العديد من اللقطات بالأفلام الأميركية التي تناولت قصص المسيح، حتى أن الصحابة تم تصويرهم كما كان يتم تصوير حواريي المسيح في السينما الأميركية.

التابوهات

السبب الرئيسي لضعف مستوى الفيلم العربي ذو الحكاية الدينية هو التابوهات المتعلقة بعدم ظهور شخصية تمثل رسول الإسلام وصحابته، مما أثقل الصورة السينمائية، وأحدّ من قدرتها، فتم الاستعانة بالحكي، وصوت الراوي الخفي، الذي يتمثل أقوال هؤلاء، أو الاستعاضة عنهم ببقعة من الضوء، أو جزء من أشياء استخدموها ... كناقة محمد  وبُردته أو سيف علي. ولم يزل يُصر الأزهر على منع عرض فيلم الرسالة، عرضاً رسمياً في مصر، لأنه جسد شخصية حمزة عم محمد، والتي قام بها أنتوني كوين في النسخة الإنجليزية، وعبد الله غيث في نسخة الفيلم الناطقة بالعربية، رغم عرض الفيلم أكثر من مرّة في المناسبات الدينية على شاشة الفضائيات غير المصرية! التابو الآخر، وربما يكون هو الأهم من مسألة تجسيد الشخصيات ذات السمة الدينية، هو الابتعاد عن البعد الاجتماعي والتاريخي لواقع نشأة الدعوة المحمدية وكيفية انتشارها في جزيرة العرب، وهو أمر يحتاج إلى شجاعة كبيرة وجرأة فنية لم تتوفر لأحد حتى الآن.

ما بين الدعاية والتبرير السياسي

تناولت السينما العالمية والأميركية على وجه الخصوص الحكايات الدينية، المستمدة من الكتاب المقدس، وأعادت صياغتها فنياً، وقد تراوحت هذه الصياغة ما بين المباشرة، أو الجمالية في التناول. إلا أن مسيرة السينما في الغرب تحولت من مجرد سرد قصصي لحكايات التوراة والإنجيل إلى سرد يرمي بظله السياسي على الأحداث الراهنة، كمحاولة متدينة قاصرة دوماً على التحليل الاجتماعي والاقتصادي لفترة من فترات التاريخ. إضافة إلى تأصيل أساطير عنصرية، كحكاية شعب الله المختار ومحنته التي بدأت منذ عهد الفراعنة وحتى هتلر.

وصايا سيسيل دي ميل

يعد سيسيل دى ميل أكثر مَن قدم أفلاماً عن الأنبياء، فبخلاف "الوصايا العشر" الذي قدمه في نسختين الأولى صامته عام 1923، والأخيرة ناطقة بالألوان عام 1956، ليستعرض حكاية خروج موسى وشعب إسرائيل من أرض مصر. كما قدم أيضا فيلم "الصليب والصليبيون" 1937 و"شمشون ودليلة" عام 1948. لم يخرج دي ميل عن حكايات الكتاب المقدس، بل أصّل لها، واعتبرها حكايات وقصص دينية يجب تصويرها وتداولها على نطاق واسع. وهي صورة دعائية أكثر منها نقدية للموضوع الديني، فأعماله كانت نابعة عن حِس ديني يخص الرجل نفسه، بأن يعمل من خلال السينما في خدمة الرّب! الأمر اللافت أن "سبيلبيرج" يسير على خطى دي ميل، في التحيّز المفرط لحكايات الكتاب المقدس، التوارة خاصة، ونقل أساطير الشعب المختار، وتغذية هذا الوهم من خلال السينما، وكأنه بدوره في مهمة مقدسة، مما يجعل من هذه الأفلام في نهاية المطاف عبارة عن منشورات دعائية، دون ادنى قيمة فنية، اللهم فقط ... الإبهار البصري والتقني الخالي من المعنى.

"آلام المسيح" كما تصورها "ميل جيبسون"

الممثل والمخرج ميل جيبسون رجل ينطلق من مبادئ إيمانية محافظة، ووجد في سرد حكاية المسيح تبريراً سياسياً لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي استفاق عليها الشعب الأميركي، ليكتشف خدعة أنه أفضل وأقوى شعوب الأرض. ولم يحدث لفيلم تناول شخص المسيح أن لاقى كل هذه الدعاية، حتى أنه تم عرضه بصالات السينما المصرية وقتها، مع رفض الرقابة عدة أعمال تجسد شخص المسيح على الشاشة، وأن يتم عرضها عرضاً تجارياً!
 
 
تعرَّض الفيلم للساعات الأخيرة في حياة المسيح عليه السلام، ورحلة تعذيبه حتى وضعه على الصليب وصعود روحه، ثم عن طريق فلاشات باك قليلة ليست كلها على ذات المستوى يتم الربط بين تنبؤاته ونهاية رحلته. كمشاهده مع مريم العذراء وسعيها إليه حينما تعثّر وهو طفل، ومشهد صنعه للمنضدة وهي الشيء الجديد الذي لم يعتده الناس في عصره، رمزاً للجديد الذي أتى به والذي سوف يغير العالم.
 
مجزرة دموية
لم يكن يهم صانع الفيلم سوى استعراض الكم الهائل من المشاهد الدموية، قاصراً تجربة المسيح في الألم الجسدي، دون الاقتراب من الآلام الروحية التي تعرّض لها والتي تعد هي مغزى رسالته كلها، وبذلك يكون الفيلم قد جرّد الرسالة من حكمتها وشاعريتها وحولها إلى مجزرة دموية ليس أكثر.
والفيلم يندرج بهذه الطريقة ضمن أنواع الأفلام التجارية الرخيصة، التي تلعب على عواطف المشاهدين وحساسيتهم الدينية، دون إثارة عقولهم وتفكيرهم لمشاركة هذه الشخصية معاناتها في الحياة، حتى أتمت رسالتها كما هو مقدر لها.
 
الفيلم وتوقيت عرضه
أصبحت مشاهد القتل والتعذيب والدماء والأشلاء المتناثرة من مفردات قنوات التليفزيون، حتى أنها دخلت في إطار الشيء الاعتيادي، الذي لم يعد يثير الرهبة أو حتى الدهشة. فيأتي "آلام المسيح" ليعرض عرضاً مُكثفاً لهذه المشاهد بالكثير من الحدة والتكثيف، إضافة لتأثير شاشة السينما وقاعة العرض والظلام المحيط بالمشاهدين. فكل هذا العذاب يحدث لمن؟ لشخص مثل المسيح فما بالنا نحن؟! التساؤل هنا للجمهور الغربي والأميركي بالأخص. (إنها فكرة التطهير الأرسطية اللعينة التي يلعب عليها كل مُدع) كما أن العبارة التي قيل إنها لم تترجم إلى الإنجليزية، وهذا هو التنازل الوحيد من جيبسون حتى يتم عرض فيلمه، نظراً لضغوط اليهود ومنظماتهم، هذه العبارة مذكورة في إنجيل متّى، ولم تكن اكتشافاً جديداً يُثار يهود اليوم. والنص الإنجيلي كالتالي . . (فلما رأى بيلاطس أنه لا فائدة ،  وأن فتنة تكاد تنشب بالأحرى، أخذ ماءً وغسل يديه أمام الجمع، وقال: "أنا بريء من دم هذا البار، فانظروا أنتم في الأمر!"  فأجاب الشعب بأجمعه : "ليكن دمه علينا وعلى أولادنا!) وبذلك . . يكون الفيلم قد فرّغ شحنات الغضب ضد الأميركان واليهود. من ناحية أخرى .. إذا كان المسيح قد لاقى العذاب على يد فئة دينية متعصبة، فإن الأجساد التي انصهرت عظامها في الحادي عشر من سبتمبر هم أيضاً ضحايا فئة دينية متعصبة. ولكم في المسيح أسوة حسنة، ليطمئن الشعب الأميركي على إيمانه، ولا عاصم له سواه، بعد سقوط اليقين السياسي والعسكري مع تفجير برج التجارة العالمي.
 
تحويل المطلق إلى نسبي والنقد الاجتماعي والسياسي
 
عالجت السينما العالمية الموضوع الديني بفكر نقدي ووعي جمالي، فلم تعد التجربة الدينية سوى مجالاً لمناقشة صراعات وأفكار إنسانية، وتحولت إلى حدث يمم وجهه أخيراً شطر التاريخ، وبالتالي أصبحت حرية تأويله أكثر وعياً وعمقاً بمشكلات الإنسان الراهنة.
المسيح يقرأ البيان الشيوعي
 
قدّم المخرج الإيطالي "بيير باولو بازوليني" فيلمه "إنجيل متّى" 1964، ليعيد سرد الوقائع التي تناولها الإنجيل كما دونه متّى، ولكن وفق وجهة نظر بازوليني النقدية، وتوجهاته الفكرية، مما حدا بالبعض في بعض اللقطات وهو يرى المسيح يقول تعاليمه، بأنه أشبه برجل يلقي البيان الشيوعي.
 
الحِس الواقعي مقابل هالات التقديس
يبدأ الفيلم بالوقائع الشهيرة في حياة المسيح ... حمل السيدة "مريم" به/حضور المجوس/هروبه إلى مصر/ملاقاته للمعمدان وتجربته مع الشيطان/ثم رحلة تعاليمه وثورته في الهيكل/فالوشاية به والقبض عليه، وصلبه وقيامته. ونظراً لماركسية بازوليني وواقعيته مع حِسه الأسطوري والصوفي، فقد نزع الهالات المقدسة المتوارثة، واستخرج عمق الرسالة من خلال تأثيرها وارتباطها بالناس، وما كانت تبشرهم به من خير وسلام وحرية، فتحول الرجل بجانب رسالته إلى ثائر ومبشر ثوري ومناضل دفع حياته ثمناً لدعوته وما يؤمن به. وقد ظهرت الطريقة أو الشكل الواقعي لمعالجة إنجيل "متّى" في . . الديكورات الطبيعية وكسر الصورة التقليدية للحواريين أو السيدة العذراء، أو مريم المجدلية، فهم بشر عاديون سواء في الملامح أو الملابس أو الأداء، فقراء يعانون كل أشكال التسلط كرعايا الحاكم الروماني. حتى مشهد "رقصة سالومي" تم تقديمه بشكل يمتزج فيه الواقعي بالأسطوري، فوسط الرقص والإيماء والموسيقى تتجلى الواقعية في الإضاءة وزوايا التصوير. وبذلك .. هبطت الأسطورة إلى الواقع وتعايشت معه دونما خلل، حتى في مشاهد وصايا وتعاليم المسيح  التي عكست تعابير وكأنه زعيم سياسي يلقي بإحدى الخُطب، ونظراته القوية وابتساماته الرقيقة، كل هذا بدون رتوش سحرية كانت تلازم الشخصيات الدينية التي ترسبت في العقول من خلال الرسومات والصور. فقد أعاد بازوليني صياغة الحكاية بطريقة جعلت من "المسيح" رجلاً يحمل الرسالة على كتفيه وليس بين عينيه، فهو ثائر ومتسامح ولكنه ليس بمستسلم، وقد أصبحت صرخته الأخيرة وهو فوق الصليب والتي زلزلت الأرض "لما شبكتني" ليست توحي بطلب الخلاص، ولكن باستمرار دعوته وثورته وهو فوق الصليب، حتى يتم إنقاذ أبناء الله ... بوجوههم المتغضنة، وملابسهم الرثة وبيوتهم التي كالجحور، يتم إنقاذهم من كل سُلطة تَّدعي الكهنوت والتحكم بمصائر الجميع.
 


الروح على صليب الجسد

"الإغواء الأخير للمسيح" رواية لليوناني "نيقوس كازنتزاكيس"، قدمها الأميركي "مارتن سكورسيزي" إلى السينما، بالاسم نفسه عام 1988. وهي معالجة جديدة ومختلفة كل الاختلاف لحياة المسيح، الذي أصبح باحثاً عن السلام الروحي للإنسان وسط كم هائل من التعاليم والقيود الاجتماعية والدينية، فأوضح أن صراع "المسيح" الأساسي لم يكن مع سلطة سياسية أو دينية، بل أن مأساته الحقيقية تكمن في صراعه ما بين روحه وجسده. فأصبح الفيلم يُنقب داخل شخصية المسيح باعتباره إنساناً، ومن خلال هذه الرؤية تمت صياغة جديدة لكافة الشخصيات المحيطة بـه، سواء التي دارت في فلكه، أو التي دار هو في فلكها. فهو من البداية متوتر، يعاني صراعاً داخلياً ما بين روحه ورسالته وبين رغباته كإنسان، وهناك مشهداً يدلل على ذلك بطريقة غير مباشرة، فهو صانع صُلبان، يُعلّق عليها كل منشق على سلطة القيصر، مكروه من الناس الذين يرونه أحد مفردات هذه السلطة، ثم هو الذي يُبشر بالنهاية، وهي وضعه فوق الصليب وسط لعنات السلطة نفسها.

أسئلة وجودية

وأهم نقاط الفيلم ... هل المسيح نفسه كان يريد ذلك؟ هل كان يريد خوض تلك التجربة؟ ولما كانت صرخته الأخيرة ..." لما شبكتني" ثم شكه الدائم هل هو المسيح أم لا، ويظهر ذلك في مشهد إحياء الموتى والرعب الذي لفّه عندما لمس يد (إليعازر) داخل القبر، فهو كان يُفاجأ بالمعجزات التي يقوم بها، بل ويرتعب لأن هذه المعجزات تقوي الهاجس الذي لم يفارقه حتى وهو فوق الصليب، في كونه يريد نفسه كالآخرين، لا يقوى على حمل رسالة، رغم قدرته على حمل الصليب، حتى يُعلّق عليه الآخرين!

ظلال تجربة المسيح

كما تناولت الرواية والفيلم معادلات وتفسيرات أخرى للشخصيات التي لطالما وصمت في الكتاب المقدس، وجعلتها أكثر إنسانية، وضرورة درامية في الحياة، لتكتمل نهاية الحكاية ... فشخصية "مريم المجدلية" على سبيل المثال، التي تخلّى عنها يسوع في سبيل هواجسه، أصبحت ظلاً للصراع بين روحه وجسده، بل هي المفسرة والكاشفة لهذا الصراع. فبعد رفضه لحبها وغريزته، قد اقتسم جسده الآخرون، اقتسموا جسداً يخصَّه، فكانت ضريبة رسالته أن تصبح المجدلية مِلكاً للآخرين، إلاه وحده، ووفق إرادة تفوق إرادته، حتى تكتمل أركان الحكاية كما هو مقدّر لها. من ناحية أخرى جاءت شخصية يهوذا مخالفة تماماً لما هو متعارف عليه، فكان أقرب الشخصيات إلى المسيح، وأعنفهم معه، وكأنه وجهه الآخر،  يهـوذا الذي أصبح مثالاً للخيانة ورمزاً لها في تاريخ الإنسانية، أصبح هو الآخر صانع لعنته حتى تتم مشيئة الرَّب. وبذلك.. يصل إلى درجة قصوى من درجات الإيمان، لم يستطع الوصول إليها أحد من باقي الحواريين. فيهـوذا هو الذي يردّ المسيح عند لحظة الإغواء ليثبت له أنه لا سبيل للخلاص إلا بإتمام الرسالة/الحكاية، فثبات يهـوذا في تحمل اللعنة هو نفسه ثبات المسيح فوق الصليب.

لحظة الإغواء

تأتي هذه اللحظة عن طريق مَلَك جميل (بخلاف الرواية التي صورت الشيطان في شكل عبد أسود) هذا المَلَك الذي يحقق للمسيح رغبته فيما يشبه الحلم، ويجعله يعيش لحظات معدودات شملت حياة خيالية كاملة تنفس فيها كل مباهج الحياة ... من زواج ممن يحب، وممارسة أبوة، وصولا إلى شيخوخة هادئة وموتاً أكثر هدوءاً.

كان لابد من الإغواء، ليتأكد من حرّية اختياره، ويستفيق قبل موته بلحظات مقتنعاً تماماً بمغزى ما فعله، وما قام به.
 
* نشر في القدس العربي 19 يوليو 2013

 

الأحد، ديسمبر 01، 2013

عيشة بنت الباشا ... سعدي يوسف

طِلْعَت الشُمّيسهْ
على شَعَرْ عيشهْ
عبشه بنت الباشا
تِلْعَبْ بالخرْخاشةْ!
*
لَكأنّ عائشةَ الجميلةَ تستجيرُ تقولُ لي: سعدي !أوَلستَ مَن يهوى الجميلاتِ؟ الحرائرَ ... والصبايا؟
كيفَ تخذلُني، إذاً؟
أنتَ العليمُ بأنني، بنتٌ لتاسعةٍ، وأني كنتُ ألعبُ بالدُّمى.لكنهم جاؤوا
وقالوا: ثَمَّ تطْريةٌ لوجهِكِ...(كان وجهي وجهَ طفلتكم، وليس من معنىً لتطريةٍ ...)
أجابوني:النبيُّ أرادكِ!
*
طِلْعَت الشمّيسةْ
على شعَر عَيشة
عيشة بنت الياشا
تلعب ْ بالخرخاشة ْ
*
وعائشةُ، الحـُـمَيراءُ...الجميلةُ مثل إيرلنديّةٍ، والشَّعْرُ أحمرُ.يا عطاَ الله!كان محمّد، ما بين رُكعته، وتالي رُكعةٍ، ينوي يُباشرُها
وأحياناً يرى ما بين ساقَيها، صلاةً...هكذا
ذاقتْ عُسَيلَتَهُ
وذاقَ محمدٌ، دبِقاً، عُسَيلَتَها...هيَ مَنْ هيَ: الـحَوّاءُ
عائشةُ الحـُمَيراءُ،
الجميلةُ مثل إيرلنديّةٍ...صنمُ النبي ّ!
*
طِلْعَت الشمّيسة
على شَعَر عيشة
عيشة بنت الباشا
تلعبْ بالخرخاشة...
*
لكنّ عائشةَ الجميلةَ، سوفُ تُعْلي أن ناعمَ شَعرِها سيظلُّ أحمرَ
سوف تُعْلِنُ أنه ، أبداً، محاربةٌ...لقد قهرتْ نبيّاً في السريرِ
وهاهي ذي، على جملٍ، تقاتلُ.إنّ عائشةَ الـحُـميراءَ
النبيّةُ
بعدَ أن ذهبَ الذكورُ الأنبياءُ إلى الهباء...
*
طِلعت الشمّيسة
على شعَر عَيشةْ
عيشة بنت الباشا
تِلْعَبْ بالخرخاشة!

لندن 16/11/2013
عن موقع سعدي يوسف

الأربعاء، سبتمبر 25، 2013

أُخرج في موعد مع فتاة تحبّ الكتابة


أُخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة. أُخرج في موعد مع فتاة لم يسبق لك أن رأيتها في ملابس نظيفة تماماً، بسبب قهوتها التي تحملها معها دائماً، وبسبب بقع حبر قلمها، ولديها مشاكل دائمة في ترتيب غرفتها، وجهازها المحمول ليس مُملاً على الإطلاق لأن داخله كلمات كثيرة، وعوالم كثيرة، تتحرك أمامها في الهواء. تقرأ في شاشتها صفحات مليئة بالغرابة. وترى في الأسفل أيقونة أغنية مشهورة وهي ترقص في أذنها. تراقبها وهي تقرأ عن تاريخ كاثرين العظيمة، وعن خلود قناديل البحر. تضحك بشدّة حين تخبرك أنها نسيت تنظيف غرفتها، وملابسها مبعثرة حول أغلفة الكتب. وتعتذر منك وتخبرك أنها ستحتاج وقتاً أطول لتنزل إليك. وأن حذاءها مخبّأ أسفل جبل من الأقلام المكسورة التي كانت تحتفظ بها منذ أن كان عمرها ١٢ سنة.
قبّلها أسفل عمود الإنارة عندما تمطر السماء، واخبرها عن تعريفك للحب.


 
 

إبحث عن فتاة تحب الكتابة. ستكتشف أن لديها حس فكاهة عالي/أنها متعاطفة وحنونة لدرجة بالغة/أنها ستحلم وتبتكر عوالم وأكوان كاملة لأجلك. هي التي تملك الظل الضعيف أسفل عينيها، هي الفتاة ذات رائحة القهوة والكوكاكولا وشاي الياسمين الأخضر. هل رأيت تلك الفتاة، ظهرها متقوّس باتجاه مفكرتها الصغيرة؟ تلك هي الفتاة الكاتبة. أصابعها ملطخة أحياناً بالجرافيت والرصاص، وبالحبر الذي سيسافر إلى يدك عندما تتشابك مع يدها. هي لن تتوقف أبداً عن تذكّر المغامرات .. مغامرات الخونة والأبطال، مغامرات الضوء والظلام، الخوف والحب. تلك هي الفتاة الكاتبة. لا تستطيع أبداً مقاومة ملء صفحة فارغة بالكلمات، مهما كان لون الصفحة.

 
هي الفتاة التي تقرأ بينما تنتظر قهوتها أو شايها. هي الفتاة الهادئة بموسيقى صاخبة في أذنها. وإذا اختلست النظر إلى كوبها ستجد أنه أصبح بارداً، لقد نسيته تماماً كما تفعل دائماً.
وإذا رفعت رأسها وتذكرت أخيراً، اعرض عليها أن تطلب لها كوباً آخر. سوف ترد لك جميلك هذا بقصصها التي تكتبها لك. وإذا أغلقت جهازها المحمول، أعطها رأيك في تولستوي، واخبرها عن أفضل نظرياتك حول هانيبال وعبوره الكبير لجبال الألب. حدّثها عن شخوصك، عن أحلامك، واسألها إذا كانت انتهت من كتابة روايتها الأولى.

من الصعب أن تخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة. لكن كن صبوراً معها. اهدها كتباً في عيد ميلادها، ومذاكرات جميلة للكريسمس ومناسبات العام، فواصل للكتب، والكثير جداً جداً من الكتب. أعطها هديّة الكلمات، دعها تشعر أنك خلفها في كل خطوة على الطريق، رغم التقاطعات الخادعة والماكرة بين الحقيقة والخيال.

سوف تعطيك فرصة
لكن لا تكذب عليها. لأنها سوف تفهم ما وراء كلماتك. سوف تكون مُحبطة جداً لأنك تكذب عليها، لكنها ستتفهم. ستتفهم أنه أحياناً حتى الأبطال يفشلون، وأن النهايات السعيدة تتطلب وقتاً. هي واقعية. وليست عجولة أبداً، ستتفهم بأن لديك أخطاء. ستقدّس أخطاءك، لأن الفتاة التي تكتب تفهم معنى الحبكة. وتفهم أن النهايات يجب أن تحدث، مهما كانت سعيدة أو حزينة.

الفتاة التي تحب الكتابة لا تتوقع الكمال منك، لأن قصصها غنيّة بالتحولات، وشخصياتها متعددة الأوجه بسبب عيوبها الكثيرة المثيرة للاهتمام. هي تفهم أن الكتاب الجيد لا يجب أن يكون مليئاً بالشخصيات المثالية. أن الأشرار والأخطاء التراجيدية هي ملح الكتب. الفتاة التي تحب الكتابة ستتفهم أنك بشر وأن أخطاءك واردة.

كن رفيقها، كن حبيبها، كن حلمها، كن عالمها

إذا وجدت فتاة تحب الكتابة، فحاول إبقاءها بالقرب منك. إذا وجدتها مستيقظة عند الثانية صباحاً، تكتب بشراسة وأضواء الشاشة تنير وجهها، ضع اللحاف بلطف على ظهرها حتى لا تصاب بالبرد. إصنع لها كوباً من الشاي، واجلس بجانبها. قد لا تنتبه لوجودك أصلاً وتغادرك إلى عوالمها البعيدة داخل الكتابة، لكن هذا سيستغرق دقائق فقط، ثم ستعود إليك ممتلئة بالكنوز. وأنت ستؤمن بها في كل لحظة، وأنتما أمام ضوء الشاشة، لا يستطيع أحد أن يقوم بقهركما في هذا الظلام المقدّس.

هي شهرزادك. عندما تخاف من الظلام سوف تقودك من يدك، كلماتها تتحول إلى مصابيح، إلى أضواء ونجوم وشموع تقودك عبر أكثر أيامك ظلاماً. ستكون هي الفتاة التي ستنقذك. سوف تسرقك بعيداً على متن منطادها الهوائي، وستكون مسحوراً بها. هي مؤذية وهي لعوب، ولكنها هادئة. وعندما تضطر لقتل شخصية من شخصياتها المحبوبة في القصة، وعندما تبكي، احضنها وأخبرها أن كل شيء سيكون على ما يرام.

سوف تتقدم أنت لطلب يدها للزواج. ربما على قارب وسط المحيط،/ربما في كوخ صغير بجبال الأبلاش/ربما في نيويورك/ربما شيكاغو/بالتيمور. ربما خارج مبنى دار النشر التي تعاقدت معها. لأنها مشرقة ومتوهجة في أي مكان تذهب إليه. ربما حتى خارج السينما حيث كانت قبلتكما الأولى تحت المطر. ستخبرك أن كل هذا مكرر ومستهلك، لكن التماعة عينيها ستخبرك بالحب داخل قلبها والجنون الذي تخفيه عنك. سوف تبتسم أنت بشدة عندما تتحدث معك، قلبك سوف ينسى نبضة أو نبضتين حين تمسك بيديك وتكتب القصص عن حياتك وحياتها. سوف تقترب منك كثيراً وتحتضنك، سوف تخبرك بالأسرار في أذنك. هي لطيفة وتحبك، تذكر هذا. هي صنعت نفسها بنفسها، وهي رائعة الصنع. قد يكون اختيارها لأسماء أطفالكما سيئاً، ولكنك سوف توافق.

الفتاة التي تحب الكتابة ستحكي لأطفالك قصص بارعة الجمال والسحر
لأن هذا هو أجمل ما تملكه. لديها الخيال، ولديها الجرأة، وسيكون هذا كافياً. سوف تنقذك في محيطات حلمها. ستكون فارستك، وستكون عالمك، في انحناءة ابتسامتها، في اللون البندقي لعينيها، في الكلمات التي تنهمر منها كالسيل، كالموجة، ساحرة إلى درجة تجعلك تخسر أنفاسك لصالحها، هي الفتاة التي تحب الكتابة. ربما لا تكون متقنة تماماً لقواعد اللغة، لكن لا بأس بذلك.

أُخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة لأنك تستحق هذا. هي ظريفة ومتعاطفة، غامضة بعض الأحيان. ولديها حياة مليئة بالألوان أكثر من أي فتاة أخرى.

الفتاة التي تحب الكتابة تفهم الواقع. ستغيظك في بعض الأوقات، وربما يصل بك الأمر لكرهها، وربما تكرهك هي أيضاً. لكن الفتاة التي تحب الكتابة تفهم طبيعة الإنسان، وتفهم بأنك ضعيف. لن تتركك في منتصف الليل وتركب القطار عند أول لحظة تبدأ فيها الأمور بينكما بالتداعي. سوف تفهم أن الحياة ليست كالقصص، لأنها بينما هي منهمكة في كتابة قصصها، هي تعيش معك في الحياة.

أُخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة ...
لأنه لا يوجد شيء أفضل من الخروج في موعد مع فتاة تحب الكتابة.


* المؤلف مجهول
* ترجمة/محمد الضبع
عن موقع "معطف فوق سرير العالم"

الاثنين، يوليو 08، 2013

tattoo













 

من "موباسان" إلى "سيد قطب" ... تأصيل الصراع بين الشرق والغرب من خلال الأساطير الحسيّة


الخيال الجامح والجامع لكتاب "ألف ليلة وليلة"، والذي تداخلت في تأليفه حضارات مختلفة كالهند وبلاد فارس ومصر والعراق، حضارات طالها المد الإسلامي في غزواته وفتوحاته، ليخرج بلسان عربي مبين، ويؤسطر لخيال متحرر من رمال الصحراء، محاولاً صياغة هذه الحياة في مفردات متزنة، ما بين عالم الإنس والجن، وحتى الجمادات. هذا الكتاب الذي سَحَر الغرب عند ترجمته إلى اللغات الأوروبية، حقق دون أن يدري مفاهيم لم تتزحزح لوقتٍ طويل عن الشرق، وخاصة عالم النساء الشرقيات، هذا العالم الغامض، الخفي، لحور مقصورات، حاول بعضهن الانتقام من سلطة الرجل الوهمية، عبر حيلة أجسادهن. ولكن المخيلة الشرقية مؤخراً أصبحت تتنفس المنظور نفسه حيال الغرب، لتجسد انتقامها في تصوير الغرب كساحة للانحلال الجنسي، الذي أكدت الأعمال الفكرية والمؤلفات الأدبية على هذا المفهوم، دون أن تستطيع الخروج منه حتى الآن!

 


الصراع فوق خرائط أجسادهن

لا يوجد رحالة أو مستشرق أو أديب، أوحتى زائر غربي جاء إلى إلشرق وكتب انطباعاته أو رؤاه إلا وتعرض للمرأة، خاصة في الجانب الحسي منها. (موباسان الذي رأى الشرق خلال وجوده بالجزائر عبارة عن مرتع للرغبات والحواس). إضافة إلى رسومات فناني الاستشراق، الذين صوروا المرأة الشرقية من خلال ما يحيطها من أساطير، وفي محاولة لفض غموض وحدتها المزعومة. وكذلك فعل الشرقي حين عرف سبيله إلى الغرب، كرد فعل على عقلية طالما أهانته، فتجسد ثأره وفق مخيلة ذكورية موروثة ــ وهمية في الغالب ــ لتصبح عبارة عن مغامرة حسيّة يخرج منها منتصراً على الدوام. (راجع رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، كمثال لافت على هذه الحالة المزمنة). لذا نجد أن الجنس قد لعب دوراً سياسياً بارزاً في صياغة العلاقة بين الطرفين، حيث قدمت نمطية الخيال والأساطير عن شبقية الشرق في تاريخ وأدبيات الغرب دعماً ومساندة كبيرة للحكام ليقوموا بحربهم ضد الشرق بداية من الحملات الصليبية وانتهاء بالاحتلالات الحديثة والاستيلاء على ثرواته، بل وانتهاء بالاحتلال الأميركي للعراق، وفضيحة أحداث سجن أبو غريب. لنجد على الناحية الأخرى رؤية مؤسس جماعة الإخوان المسلمين "حسن البنا" الذي اتهم الغرب بإفساد المجتمع المسلم، لأنهم .."يرسلون إلينا نساءهم أنصاف عرايا"، وصولاً إلى تلميذه "سيد قطب" الذي انتقد الكنيسة الأميركية التي أخلت السبيل للانحلال الأخلاقي.


الاستشراق الجديد

طوّر الغرب من رؤيته وأسلحته، فانتقل من الاستشراق الكلاسيكي إلى الاستشراق الجديد، من خلال كتابات كل من "برنار لويس" و" وصامويل هتنجتون"، فالأول عمل على أسلمة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والأخير خلق الفضاء المناسب لكيفية قراءة هذه الأحداث. ورغم سياسية التنظيرات والنتائج، إلا أنها واكبت رؤية اجتماعية، تلاقت والهدف نفسه، ذلك خلال تغير نظرة الرجل الغربي للمرأة الشرقية، من مجرد جسد ومحل رغبة، إلى كائن إنساني يسعى لتحقيق حريته والانفلات من قبضة القيود والأعراف الاجتماعية. هذه النظرة محل نقد في مدى جديتها، لتصبح وسيلة أخرى أكثر تحضراً من رؤية الاستشراق الكلاسيكي، كحال كل من .. موباسان/ أندريه جيد/جوته/فلوبير/لامارتين، وفيكتور هوجو، الذين شغلتهم المرأة الشرقية والأوصاف الحسية والمغامرات الجنسية، والكيفية التي استثمروا بها هذه الأفكار وزجوا بها داخل الوعي الغربي "تلك الأفكار التي أضحت جزءاً من النظرة الأوروبية الشاملة حول آسيا وأفريقيا، والتي لعب الجنس دوراً فاعلاً فيها. (راجع التصورات الجنسية عن الشرق الأوسط ..البريطانيون والفرنسيون والعرب، للمؤرخ البريطاني ديريك هوبود).

 

فوبيا الحجاب

كانت أوروبا وما زالت بوجه خاص تعاني مما يسمى بـ "فوبيا الحجاب"، ولعل أحكام المحاكم الأوروبية المتواترة والمتفاوتة في هذه المسألة خير دليل على إشكالية هذه القضية المزمنة. وقد انتقل الحجاب من مجرد قطعة من القماش تغطي الرأس، إلى الفضاء السيموطيقي (علم العلامات)، ليصبح رمزاً يدل على حضور الشرق الطاغي داخل الثقافة والحضارة الأوروبية، وبالتالي الممارسات المرتبطة به، كتأكيد لهوية غير مرغوبة هناك من ناحية، وإلى التمييز بين سلطة ذكورية فاعلة وبين خضوع أنثوي سلبي من ناحية أخرى، وأخيراً كشعار يدل على الفصل بين فضاء الحداثة وبين تقاليد متخلفة. وتؤكد شخصية مثل "أيان هيرسي علي" النائبة الهولندية السابقة ذات الأصول الصومالية، اثنتين من الحجج الرئيسية لحركة الاستشراق الجديد ... الأولى هي وجود تعارض بين فضاء غربي، تحرري وبين فضاء إسلامي غير صالح ثقافيًّا أمام التحديث، والثانية في تقديم الحل للعالم الإسلامي إذا كان يريد الخروج من عصوره الغابرة فيحدث قطيعة مع "الإسلام". هذه الرؤية التي ترتكز على استخدام صورة المرأة لم تعد ذات طبيعة استعمارية فحسب، لكنها يمكن أن تستخدم أيضاً كتبرير دقيق لروايات صراعية في داخل الدول ومن خارجها، كما تبيّن أن إدانة وضعية المرأة والواجب المعنوي في تصحيح هذا الظلم الواقع عليها هي مكونات هامشية، من ضمن أخرى، جرى إعادة استخدامها من قبل إدارة جورج بوش الابن (2001-2009)، بهدف أن تضيف إلى الاستجابة العسكرية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، بعداً ذا طبيعة حضارية. (راجع تيار الاستشراق الجديد والإسلام لأوليفييه مووس).

 
المرأة الشرقية بين البارانويا والفصام

في كتابها "النسا والإسلام والغرب" تنظر الناشطة المغربية "أسماء لمرابط" إلى الموضوع من وجهة أخرى، وإن كانت تؤصل لموضوعنا، فترى أن الغرب مصاب بعقدة البارانويا (جنون العظمة) في حين أن العالم الإسلامي مصاب بانفصام الشخصية، فالجنون الغربي يتعامل بانتقائية مع قضايا المرأة المسلمة، وتختفي من لغته مفردة النسبية الثقافية، التي يوفرها لنساء أخريات، بينما العالم الإسلامي يعاني من سيطرة العقلية الذكورية على الدين والتاريخ والسياسة والعلم. لذا تدعو المفارقة التي تتبناها المؤلفة إلى الدهشة، لتدل على يأسها من تحقق المرأة داخل العالم الإسلامي، والعمل على تصحيح النظرة وأخذ الحقوق من خلال مفردات العالم الغربي، وذلك عن طريق حركة نسائية إسلامية من قلب الحداثة الأوروبية، لما تتيحة من فرص داخل إطار الحرية الغربية!

 
أرض شاسعة للصراع
سيظل جسد المرأة أرضاً للصراع، وفق مخيلة العقلية الشرقية، وسيستغله الغرب في أطروحاته المتجددة دوماً لإشعاله، طالما النهج الذكوري الشرقي والعربي على وجه الخصوص لم يزل لا يرى في المرأة سوى جسد، لا يبارح غوايته في مخيلته المُظلمة، ويسعى جاهداً لستره طوال يومه، بديلاً عن قمع وبؤس يتنفسه، وصولاً إلى سُلطة موهومة سقطت منذ زمن تحت أقدام امرأة تدعى "شهرزاد".
 

الاثنين، يونيو 24، 2013

Rise like Lions


"لسنا بحاجة إلى نظام لكي نكون، لأن المشكلة قائمة والجميع تقريباً توصلوا إلى قناعة أن لا فائدة، الناس يئست، بذلوا حياتهم ودرسوا وتخرجوا من الجامعات ولا نتيجة، إنهم يريدون إعادة بناء النظام الديموقراطي والحقوقي، الناس لديهم الإرادة والصوت ولكن القرار ليس بأيدبهم، بل في أيدي الأثرياء وأصحاب القرار في وول ستريت ". هذه العبارات لديفيد جرابر، وهو عالم انثروبولوجي، ومن مؤسسي حركة احتلوا وول ستريت. يستعرض فيلم "انهضوا كالأسود" Rise like Lions  لمخرجه سكوت نوبل، خلفيات وتداعيات هذه الحركة، وما واجهته من قمع دولة تدّعي أنها الراعي الرسمي للديمقراطية في العالم.

 

رصد البدايات والأبعاد

جاءت البدايات الأولى للحركة من خلال سعي مؤسسيها إلى حشد مجموعة من المتظاهرين، والذهاب إلى وول ستريت للتعبير عن سخطهم على سياسات العولمة وما يمثله وول ستريت من حاكم لسير حركة رأس المال العالمي. كان الهدف في البداية هو استحضار 2000 شخص، إلا أن  الحركة استقطبت عشرة أضعاف هذا الرقم، لتنطلق يوم 17 سبتمبر، وتتسع وتنتشر في جميع الولايات الأميركية. ويرصد الفيلم ابعاد وخلفيات الحركة، وجذورها وامتداداتها في المجتمع الأميركي، بالاستناد إلى عدد كبير من المقابلات والوثائق التي تسلط الضوء على هذه الحركة/الظاهرة، الجديدة على المجتمع الأميركي، الذي يعيش غالبيته تحت رحمة الميديا الأميركية التي تشكل عقل وسلوك المواطن هناك.

والحركة التي لم تكن غير حركة احتجاجية بسيطة من الممكن أن تستغرق يوماً أو أكثر، ثم يعود الكل إلى منازلهم، اتسعت بشكل غير متوقع، فتتشكل لها قيادات في العديد من المدن الأميركية لكي تنتظم في تظاهرات مماثلة، لتبدأ بعدها حملة المطاردات والاعتقالات، فيظهر الفيلم شراسة شرطة نيويورك وغيرها في التصدي للناشطين والمتظاهرين بالعصي وتكبيل الأيدي والاعتقال، ذلك في لقطات حية وكاميرا محمولة تهتز وتصطدم بالحشود البشرية أثناء الفرار والاختباء والمطاردات.


حقائق وإحصاءات

يقدم الفيلم العديد من الحقائق والإحصاءات، حرص الناشطون على نشرهامنها ... أن مالا يزيد عن 140 ألف شخص فقط هم الذين يمتلكون المال والسلطة وهم لايشكلون أكثر من 1%، لهذا اطلق الناشطون شعار "نحن 99%" حتى صار أيقونة تمردهم على الهيمنة الرأسمالية.
وبطريق غير مباشر يرصد الفيلم الإيديولوجيا التي ينتهجها عدد من ناشطي الحركة، فغالبيتهم يُجمعون على حق التظاهر ضد الظاهرة الإمبريالية الجديدة، كوجود أكثر من 700 قاعدة عسكرية أميركية منتشرة في معظم أنحاء العالم، خاصة وبصورة مباشرة في 35 دولة،وكذلك إدانة مقتل أكثر من 5000 جندي أميركي في حرب العراق، مقابل قتل أكثر من مليون عراقي، إضافة إلى سياسة دعم العديد من الأنظمة الديكتاتورية في أنحاء العالم، خاصة الدول التي لا تستجيب شعوبها للإرادة الأميركية.

 
لن نتوقف

ويلاحظ أن ناشطي الحركة تجمعهم حقيقة تمنحهم الشرعية والحق في التظاهر واستخدام أساليب الرفض الجماعي، خلاصتها أن الديمقراطية الأميركية ذاتها ــ افتراضاً ــ تكفل هذه الحقوق، لكن الواقع يؤكد عكس ذلك. وقد جاءت عبارات بعض الناشطين خلال المقابلات بالفيلم لتؤكد وجهة نظرهم فيقول (جيمس لاجريس) .. "إننا لا نريد أن نفني أعمارنا حتى الموت، ثم نكتشف في النهاية أننا مازلنا مدينين للبنوك لأولئك السادة الجالسين في وول ستريت ولاس فيجاس"، كما يضيف المؤلف (كريس هيدجز) قائلاً .. "إن النظام الأناني الذي يركض وراء الأرباح وترسيخ النظام المركزي والمركزية في كل شيء هو الذي أنتج ظاهرة الجنون في جني الأرباح الطائلة والفوائد، حيث لا توجد قوانين في وول ستريت توقف هذا الشره وهم يلعبون كل الألعاب وأساليب الخداع للوصول إلى أهدافهم، ليروج لهم الإعلام، وعلينا أن نصدق ونرضى إلى الأبد... وهذا مستحيل".

 
من وحي الربيع العربي

لم ينكر أحد من منظمي ومؤسسي حركة "احتلوا وول ستريت" تأثير الربيع العربي، وطريقة الثورات العربية ــ لا نتحدث عن نتائجها الآن ــ من حيث الاعتصامات والتظاهرات السلمية المليونية، والتي أدت إلى سقوط الأنظمة الديكتاتورية العربية واحداً تلو الآخر. ولا أدل من ذلك على استلهام شعارات هذه الثورات، ورفع أعلامها في وول ستريت، كمصر وتونس، لذلك ضمت الحركة واستدعت ناشطين ومتظاهرين من تونس ومصر وغيرها ليشكلوا تجمعاً عالمياً تلتقي فيه الإرادات والتطلعات للتغيير.
فمهما تكن النتائج الأولية لهذه الاحتجاجات والتظاهرات، وحتى الثورات التي تبدو أنها اكتملت، فوجود جماعات الضغط، وخاصة الاجتماعية، نعتقد أنها الوحيدة القادرة على التغيير مهما طال الأمد. والثورة مستمرة.