إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، يونيو 21، 2013

Beau rivage


عن الفيلم الفرنسي ... Beau rivage

 



كمحاولة للسير على صراط ليس بمستقيم، يحاول بطل الفيلم "ميشيل/Daniel Duval" الوصول إلى لحظة من الصفاء والتوازن الروحي، هذه اللحظة أو الرحلة المرتبكة، هي حكاية فيلم Beau rivage وهو العمل الأول لمخرجه Julien Donada.

 

خيالات الوحدة الاختيارية

"ميشيل" ضابط شرطة تجاوز الخمسين من عمره، يحمل عبئاً لا يُطاق، يبدو على تصرفاته وسلوكه، بداية من هجره لعمله، وانقطاع علاقاته الاجتماعية، حتى عشيقته يبتعد عنها فجأة بدون أسباب تذكر. هناك حالة من القلق والاضطراب يحياها الرجل، ويبدأ شيئاً فشيئاً بالانسحاب من الواقع ليحيا في خيالات من الوحدة، تصبح فيما بعد أشد حضوراً وصدقاً من الواقع نفسه. يبدأ الرجل في البحث عن فتاة يؤكد له خياله دوماً أنها حبه الوحيد، وأنه التقاها وعاش معها حياة صادقة، يجد نفسه من خلالها في عالم متكامل ومتزن. وبالمصادفة يجد جثة فتاة، يلمحها من شرفة إحدى البنايات، فيعتقد أنها هي ــ فتاة حياته وسبيل خلاصه الوحيد ــ ويبدأ في البحث وراء هذه الجريمة، فبينما يؤكد له الجميع أنها انتحرت، إلا أنه يؤكد أنه يعرفها جيداً، ويقينه بأن هناك جريمة قتل. ليذهب إلى مراسم الدفن، ويلتقي بأسرتها وأصدقائها. فواقع الحكايات يؤكد له انتحارها لفشلها في قصة حب، بينما خياله يصوّر له عالم آخر، حيث يقابلها في منزلها، وفي الشرفة نفسها التي وجد جثتها بها، ليتصاعد إيقاعه الموهوم هذا وفق وتيرة الحكايات التي يسمعها عنها. صديقتها مثلاً تحكي أنها ــ الفتاة ــ حاولت الانتحار أكثر من مرّة، وكانت هذه النهاية متوقعة تماماً، ليصبح الرجل بعد ذلك في غرفة الفتاة، بينما هي تقف في الشرفة وتغلق النافذة الزجاجية، وحينما يهم بفتحها، محاولاً الحديث معها، تعتلي سور الشرفة وتحاول الانتحار حتى يكُف عن محاولاته.


 
عالم الحقائق الضالة

هناك حالة من عدم اليقين تسيطر على الفيلم، حالة من التشوش المتعمد، بحيث يختلط الواقعي بالخيالي، من خلال شخصية محورية تعاني تأزماً نفسياً مُربكاً، رسالة اللايقين هذه هي التي أراد العمل التعبير عنها، بداية من إيقاع نفسي يُخضع الأحداث والشخصيات الأخرى لوجهة نظر البطل، الذي لم يختر كاتب السيناريو مهنته كضابط بوليس اعتباطاً، رغم كون الجريمة هنا حدث هامشي، لكنه مبرر لرحلة بحث البطل عن نفسه/الفتاة/حبه الضائع. فالبطل ضابط شرطة حياته تسير وفق منهج صارم من الأدلة شبه اليقينية، يبدأ في البحث عن طريق خيالاته التي لا يؤمن بها سواه، والتي تتفوق على يقين الجميع في ما بعد! هذه هي أهم المفارقات التي تؤسس لتداخل العالمين ــ الواقع والخيال ــ وقد ساعد السيناريو وتكنيك الإخراج على الإيهام أكثر بعدم اليقين هذا والفصل بين العالمين، فلا يوجد أي نوع من التغريب عند الانتقال من مشهد ــ من المفترض أنه واقعي ــ يقوم أو يتواجد به الآخرون، وبين مشهد آخر يراه البطل من وجهة نظره، ويتفاعل معه، لا يوجد تغريب بداية من الأماكن، وصولاً إلى زاوية التصوير والإضاءة وحركة الكاميرا، وهو ما زاد الأمر تعقيداً وتداخلاً، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، ولا يمكن الوقوف على حقيقة أي منهما. ولعل مشهد الجنازة وحفل التأبين المعهود بواقعيته المفرطة، يُقابله جثمان الفتاة الذي أصبح داخل مَرمَدة، موضوعة بحجرة الفتاة في بيتها القديم، الذي يتوصل إليه ميشيل، ويقوم بسرقة الجسد المرمود، ليستردها شقيق الفتاة منه بعد ذلك، وينهره بأن يبتعد عنهم. ليأتي المشهد الأخير ليزيد الأمر حيرة وارتباكاً، ليصنع حالة ميتافيزيقية، حيث تقوم الأسرة بمراسم دفن أخرى كما تمناها ميشيل، بأن تلقي ذرات جسد الفتاة في البحر، وهو يقف منعزل عنهم، ليُلقي بنفسه في البحر بعد ذلك، ليختلط جسده بهذا الرماد، الذي تخلص من ثقل الجسد، ليطفو الرجل في هدوء غريب، وهو يبتسم ابتسامة الهدوء والسكينة، الذي كان يبحث عنهما طوال هذه الرحلة من البحث والكشف المُجهِد.

 
ما بين الواقع والخيال

المعروف عن مخرج الفيلم Julien Donada أنه مخرج ومنتج أفلام وثائقية في الأساس، ويُعد هذا الفيلم هو عمله الروائي الأول، وقد ظهر هذا التأثير بالفيلم، بداية من اختيار شخصية محورية تعيد صياغة الأحداث وفق منظورها الشخصي المعقد، ومنها كانت الكاميرا تتحرك وفق هذه الرؤية، وكأننا أمام شخصية يتم التوثيق لها من خلال الكاميرا، بداية بالأماكن التي تتردد عليها، وحجم الكادرات والقطعات في المشاهد الحوارية، التي تبدو فيها الكاميرا أكثر تحرراً، بخلاف المشاهد التأملية، بطيئة الإيقاع، التي تعبّر عن العزلة والوحدة التي يدور في فلكها بطل الفيلم. هذا بدوره يحيلنا إلى فكرة المزج ما بين الواقعي والتخييلي، وهي محاولة نجح المخرج في إيصال هذه الحالة، فلا يوجد ما يُسمى بالواقع في الأساس، فالتخييل هو الأصل، فحتى الفيلم الوثائقي ينتقي من الواقع ما يريده، وينفي ما عداه، وبالتالي أجاد الفيلم تخليق هذه الحالة من التشوش، لنسف فكرة الواقع والحقيقة بالتبعية. ونلحظ مفردات العمل التوثيقي المُتمثلة في فكرة البحث والتحري للوصول إلى نتائج، وكان المعادل للبحث عن النفس، هو الكشف عن فاعل جريمة قتل، ربما تكون حقيقية أو متخيلة بالكامل، إضافة إلى شكل الرحلة والتنقل عبر عدة أماكن، كان أكثرها وعوره تتم داخل خيال البطل، وتماهي هذه الخيالات بواقع موهوم، فالحكاية ما هي إلا معادل لفكرة فلسفية تنفي كل ما هو واقعي، وأن الواقع شيء وهمي، نخلقه ونصيغه ونتعامل معه من خلال أفكارنا فقط، ولكن الكثير لا يملكون شجاعة ميشيل ليعيشون واقعهم من خلال خيالاتهم، حتى وإن كانت أشد ثقلاً وقسوة من حقائق موهومة.

................

Beau rivage 2011 

Director: Julien Donada
Writer: Christian Paigneau
Stars: Daniel Duval, Chiara Caselli, Françoise Arnoul
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق